ذكري تأميم قناة السويس .. سبعون عاماً علي إستعادة الحق وتأكيد السيادة المصرية علي ممتلكاتها
تحتفل مصر اليوم بذكري تأميم قناة السويس ذلك اليوم التاريخي الذي إستعاد فيه الوطن قناته وأثبت من خلاله قدرته على إدارة وتشغيل وصيانة القناة بسواعد أبنائه، فهي ذكرى خالدة تحمل الكثير من الدلالات والدروس والأحداث والعِبر..
ففى مثل هذا اليوم السادس والعشرين من يوليو عام 1956 ومنذ ٧٠ عاماً ،أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، إنطلاقاً من منبر ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية لإستعادة السيادة الوطنية والرد على رفض تمويل السد العالي بعد أن رفض البنك الدولي تمويله ( سحب الولايات المتحدة وبريطانيا عرض تمويل بناء السد العالي )..
وذلك في إعلان صريح لتحويل شركة قناة السويس إلى "شركة مساهمة مصرية مملوكة للدولة"، وإسترداد كافة حقوقها الإقتصادية، مما أثار هذا الإجراء لغضب الدول الإستعمارية ذات الأطماع الإستراتيجية والإقتصادية في مصر ،فقد أدي تلقائياً لسحب بساط النفوذ والحجج الدولية علي مسلسل نهب ثروات مصر وإنتهائه للأبد بفضل قرار تأميم القناة..
جديرٌ بالملاحظة فإن فكرة حفر القناة والتي ترجع للربط بين البحرين المتوسط والأحمر إلي أقدم العصور منذ عهد المصريين القدماء فموقع مصر الجغرافي كان دوماً بمثابة سوق لتبادل التجارة بين الشرق والغرب..
المصري القديم صاحب فكرة القناة
وكان أول من فكر في القناة "الملك سنوسرت الثالث" وذلك لتسهيل مرور السفن من البحر المتوسط للبحر الأحمر بدلاً من مرورها عبر البحيرات المُرة ليكون طريقها من نهر النيل بالزقازيق وصولاً للبحر الأحمر ، ومع عوامل الزمن ونتيجة للإهمال، تم إنسداد البحيرات مرة أخرى ، ثم تمر الأعوام ويأمر "بطليموس الثاني" بإعادة حفرها مرة أخرى وإعادتها الملاحة عام 610 قبل الميلاد في عهد البيزنطيين..
إلي أن تمضي القرون يعقبها العقود، وفى عام 641 م إستطاع القائد عمرو بن العاص أن يعيد الملاحة للقناة وأطلق عليها إسم "قناة أمير المؤمنين"، وفكر في أن يشق قناة مباشرة بين البحرين المتوسط والأحمر ولكن سرعان ما تراجع عن الفكرة إعتقاداً منه أن منسوب مياه البحر الأحمر، سيغرق مصر لأن المنسوب فيه أعلى من البحر المتوسط..
وبمرور وتلاحق الأزمنة إلي أن جاء يوم 30 نوفمبر عام 1854 والذي تم فيه منح فرمان للمهندس الفرنسي “فرديناند ديليسبس” بعد ما أقنع خديوي مصر سعيد باشا بخطأ تلك الحسابات وأن مستوى البحرين واحد وضرورة شق القناة ..
وعقب ذلك تأسست “الشركة العالمية لقناة السويس البحرية”وبدورها سعت للأستحواذ علي معظم الإمتيازات من أهمها إدارة القناة لمدة 99 عام ، أما أسهم الشركة كانت 56% للمستثمرين الفرنسيين والأوروبيين ويديرها ديليسبس..
الديون وراء التفريط في سيادة الملكية
وبموجب العقد والذي بصدده تمنح الحكومة المصرية أسهم 44% فقط ، بينما تحصل الشركة على 75% من الأرباح و10% للأعضاء المؤسسين ويكون للحكومة 15% فقط من صافي ربح الشركة، بالإضافة إلى بند منح الشركة الأراضي المصرية حول المشروع بدون مقابل ..
وبعدها بعام في 25 إبريل 1859 بدأ حفر قناة السويس بسواعد المصريين حيث تم رفع 74 مليون متر مكعب من الأتربة وإستمر الحفر قرابة 10 أعوام ، وتم الإفتتاح عام 1869 في عهد الخديوي إسماعيل وبحضور ملوك وأمراء العالم في حفل وصف بالإسطوري إستغرق لأسابيع كان يلقب بإحتفالات ألف ليلة وليلة..
مرت السنوات وتضاعفت الديون وأصبح تسديدها يُعجز الحكومة المصرية ، مما جعلها تبيع أسهمها لبريطانيا وفرنسا من القناة مقابل سداد ديون مصر سنة 1875م، وتقلصت أرباح مصر تدريجياً من أرباح القناة والتي وصلت بأن لا تتعدى الـ5%..
التخطيط الإنتهازي لضمان ملكية القناة
ظل مهندسين الشركة الأجانب يفكرون بتخطيط شيطاني حينما إقترب ميعاد إنتهاء حق الإنتفاع محاولين إرسال خطابات للدول العظمى لكي يمدوا فترة الإمتياز ويمنعوا رجوع القناة للمصريين ، وعلى الجانب الآخر راودت فكرة التأميم عقل الرئيس جمال عبد الناصر لكي يقضي علي التدخل الأجنبي، ويرجع لمصر حقها ..
وإلي أن جاء الوعد المحتوم فقد أعلن قراره التاريخي يوم 26 يوليو 1956 من ميدان المنشية بالأسكندرية، قرر الرئيس عبدالناصر تأميم قناة السويس في جملته المشهورة: “قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية بإسم الأمة رئيس الجمهورية.. تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية وتنقل إلى الدولة جميع مالها من أموال وحقوق وما عليها من إلتزامات وتحل الهيئات واللجان القائمة حالياً على إدارتها”..
رد الفعل الإستعماري
جن جنون المرشدين والفنيون الأجانب بنفس توقيت إعلان البيان وأعلنوا علي الفور إنسحبهم من تشغيل القناة، في خطوة منهم لتعطيلها وشل حركتها، حتي يحرجوا الدولة المصرية بعدم قدرة أبنائها على إدارة القناة في وجود وسائل إعلام أجنبية لتنقل الحدث..
ومن جانبه توقع الرئيس ناصر بتلك الخطوة، وكلف مجموعة من أجهزة الدولة ومن البحرية المصرية وفنيين ومرشدين مصريين ومن بلاد مجاورة (اليونانيين) بتولي مهمة إدارة القناة فور إنسحاب الأجانب تحت قيادة المهندس محمود يونس رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول، وكانت كلمة السر لدخولهم شركة قناة السويس هي كلمة” ديليسبس” في خطاب التأميم ،وبالفعل دخلوا وبلغوا المهندسين بالقرار، وتولوا أماكنهم ونجحوا في إدارة القناة وإستمرت الملاحة بالقناة بدون توقف وتحققت إرادة المصريين..
ترقب الرأي العام العالمي للإدارة المصرية للقناة
كتبت الصحف والمجلات الأجنبية عن نجاح الإدارة المصرية فى تنظيم حركة الملاحة بالقناة ومنهم مجلة التايم الأمريكية والتي نشرت فى عددها الصادر فى الأول من أكتوبر 1956 مقال بعنوان ” تحت ظل الإدارة الجديدة ” من أبرز ما جاء فيه ” بعد ثمانية أسابيع من تأميم القناة وبعد أسبوع واحد من إنسحاب ثلثي مرشديها يبدو أن ناصر بر بما كان يفخر به، فقد مرت منذ التأميم 2432 سفينة بسلام وأمان منها 301 عقب الإنسحاب الجماعي للمرشدين الأجانب ..
عقاب مصر الدولي علي إستردادها للقناة
وفي رد فعل يصف بالمؤامرة كان الهجوم الثلاثي من حلف الشر ففي 29 أكتوبر حتى 7 نوفمبر 1956م هاجمت كلاً من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر رداً على قرار التأميم لكن تصدت لهم المقاومة الشعبية بالسويس وبورسعيد وسط بطولات شعبية عظيمة ليست بالجديدة علي كفاح المصريين وتحت ضغط دولي من أمريكا والإتحاد السوفيتي إنسحبوا من مصر، وكانت تلك التبعات والتي لازالت مستمرة علي الوطن حتي لا ينعم المصري بمقدراته العظيمة ...






















