الطريق
الأحد 19 يوليو 2026 09:12 مـ 3 صفر 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
حسام أشرف: التحركات المصرية تؤكد ثقة العالم في دبلوماسية القاهرة نرمين توفيق: سد جوليوس نيريري سواعد مصرية تفند الافتراءات وتؤكد دعمنا للتنمية الأفريقية سلاح الحقائق والبيانات.. كيف تحمي المؤسسات الإماراتية أسواق المال من الأخبار المغلوطة؟ قيادي بحماة الوطن: زيارة الرئيس السيسي لتنزانيا تعكس عمق التوجه المصري نحو شراكة تنموية شاملة مع إفريقيا قيادي بحماة الوطن: السوشيال ميديا تحولت من وسيلة تواصل إلى تهديد مباشر للأخلاق والأسرة والاقتصاد الوطني النائب عمرو رشاد: زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا تؤكد دور مصر كشريك رئيسي في تنمية إفريقيا أحمد محسن قاسم: السوشيال ميديا سلاح ذو حدين ونحتاج استراتيجية وطنية لتعظيم فوائدها ومواجهة مخاطرها نيفين الكاتب: الشائعة أخطر من الرصاصة.. والسوشيال ميديا تستهدف الأخلاق والأسرة والاقتصاد برلماني: زيارة الرئيس السيسي لتنزانيا تعكس انتقال العلاقات المصرية الإفريقية إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية الشاملة أسامة مدكور: البنية التحتية أصبحت كلمة السر في تعزيز النفوذ المصري داخل إفريقيا الإصلاح والنهضة: زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية المصرية الأفريقية أهالي الصف يستغيثون بشركة كهرباء جنوب القاهرة: ”تذبذب الجهد يحرق أجهزتنا يومياً”

محمد عبد المجيد الهندى يكتب: دمياط.. حين سقطت قلعة الصناعة وتحولت يابان مصر إلى أطلال

هنا دمياط، حيث كان العمالقة يشيدون المجد من الخشب، حيث كانت الورش تضج بالحياة، والمصانع لا تهدأ، والتجار يتوافدون من كل حدب وصوب بحثًا عن الجودة والإتقان، حيث كان الصنايعي الدمياطي فنانًا قبل أن يكون حرفيًا، يبدع في كل تفصيلة ليُنتج تحفة فنية تزين البيوت داخل مصر وخارجها ولكن هذا كله صار من الماضي.

اليوم، المشهد مختلف تمامًا الورش أغلقت أبوابها، العمال والصناع جلسوا على المقاهي يراقبون مستقبلًا سرق منهم، المدينة التي كانت تضج بالإنتاج أصبحت مدينة الأحزان، الطرق التي كانت ممتلئة بالشاحنات المحملة بأفخم أنواع الأثاث صارت خاوية، والأسواق التي كانت تعج بالحركة أضحت مرتعًا للأتربة والصمت القاتل.

ما الذي جرى؟ كيف تحولت دمياط من قلعة الصناعة إلى مدينة مهجورة؟ من المسؤول عن هذه الكارثة؟

الانهيار لم يكن فجائيًا بل كان مُخططًا.

الحقيقة أن ما يحدث ليس وليد اليوم، وليس مجرد أزمة اقتصادية طارئة، بل هو نتاج سنوات طويلة من السياسات الخاطئة، والقرارات العشوائية، وانعدام الرؤية، والتجاهل المتعمد لمشاكل الصناع وأصحاب الورش، حتى سقطت صناعة الأثاث الدمياطية تحت وطأة الأزمات المتتالية.

كانت البداية مع فتح أبواب الاستيراد على مصراعيها دون رقابة، فدخلت المنتجات الصينية والتركية إلى الأسواق بأسعار لا يستطيع المنتج المحلي منافستها، ليس لأنها أفضل، بل لأنها مدعومة من حكوماتها، بينما الصنايعي المصري ترك وحيدًا يواجه الضرائب الباهظة، وارتفاع أسعار المواد الخام، والكهرباء، والإيجارات، في ظل غياب أي دعم حكومي حقيقي.

تجار الأثاث الكبار تحولوا إلى مستوردين، فلم يعد يهمهم دعم الورش الصغيرة، بل وجدوا في الأثاث المستورد فرصة لتحقيق أرباح سهلة دون الحاجة لدعم الصناعة المحلية. ومن ناحية أخرى، البنوك التي كان يُفترض أن توفر قروضًا ميسرة للصناع، تحولت إلى مقصلة تُطاردهم بالديون، فأغلقت الورش واحدة تلو الأخرى، حتى باتت المدينة التي كانت تعج بالحياة مدينة بلا روح.

أما مدينة دمياط الجديدة، التي وعدوا بأنها ستكون بوابة لإنقاذ الصناعة، فقد تحولت إلى فخ وقع فيه الصناع، حيث تم تخصيصها للمستثمرين الكبار، بينما الصنايعية الحقيقيون تُركوا بلا حلول، وكأن الهدف لم يكن تطوير الصناعة، بل القضاء على الصناع وإحلال طبقة جديدة مكانهم.

الضرائب تقتل والبنوك تخنق والأسواق تُفتح للمنافس الأجنبي

حين يُصبح الصنايعي مطالبًا بدفع ضرائب مرتفعة، بينما يواجه أسعارًا جنونية للمواد الخام، وفي الوقت نفسه لا يجد سوقًا لمنتجاته بسبب غزو الأثاث المستورد، فماذا يمكن أن تكون النتيجة؟ النتيجة هي ما نراه اليوم انهيار شامل للصناعة، وإغلاق آلاف الورش، وتسريح آلاف العمال، وتحولهم إلى عاطلين لا يجدون قوت يومهم.

الحكومة لا تملك أي رؤية لإنقاذ الصناعة، كل ما تفعله هو فرض المزيد من الضرائب والرسوم وكأنها تريد القضاء على ما تبقى، لا توجد أي خطط لدعم المنتج المحلي أو توفير خامات بأسعار مناسبة، ولا توجد رقابة على الأسواق لحماية الصناعة من الإغراق بالمنتجات الأجنبية الرخيصة.

من المستفيد من انهيار الصناعة؟

الجواب واضح المستفيدون هم المستوردون الكبار، الذين يُغرقون الأسواق بمنتجات رخيصة ويحققون أرباحًا طائلة، على حساب الصناعة المحلية، ومن خلفهم لوبي قوي يعمل على استمرار هذه الفوضى، لأنهم لا يريدون صناعة وطنية قوية تنافسهم، بل يريدون تحويل مصر إلى سوق استهلاكي تابع، لا يُنتج شيئًا ويعتمد بالكامل على الخارج.

أما الخاسر الأكبر، فهو العامل الدمياطي، والصنايعي الذي أفنى عمره في هذه المهنة، واليوم يجد نفسه بلا عمل، بلا أمل، بلا مستقبل، وكأن التاريخ يُعاد من جديد، حين تحولت مصر من دولة مُنتجة ومُصدرة في الستينات، إلى دولة مستوردة تعيش على قروض البنك الدولي وشروطه القاتلة.

الحل الوحيد إرادة سياسية لإنقاذ ما تبقى

إذا كان هناك من يملك ذرة من الوطنية، فعليه أن يتحرك فورًا لإنقاذ ما تبقى من صناعة الأثاث في دمياط، فالأمر لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل. يجب فرض قيود صارمة على استيراد الأثاث، ووضع خطة عاجلة لدعم الورش المتعثرة، وإعفاء الصناع من الضرائب لعدة سنوات حتى يستعيدوا عافيتهم، كما يجب توفير المواد الخام بأسعار مناسبة، وإنشاء مصانع محلية لإنتاج الأخشاب بدلاً من استيرادها بأسعار باهظة.

الصناعة ليست مجرد تجارة، بل هي أمن قومي، وحين تنهار الصناعة، تنهار الدولة بأكملها، والحديث عن التنمية المستدامة والمشاريع القومية لا قيمة له إذا كانت القواعد الأساسية للصناعة تنهار بهذا الشكل المأساوي.

اليوم، نحن أمام خيارين إما أن تتحرك الدولة لإنقاذ دمياط قبل فوات الأوان، أو أن ننتظر سنوات قليلة لنجد أنفسنا أمام مدينة مهجورة، لا يسمع فيها إلا صدى الذكريات، وحكايات الماضي المجيد الذي أضعناه بأيدينا.

فهل من مستجيب؟ أم أننا سنترك الحرفي الدمياطي يواجه مصيره وحده، حتى تُدفن صناعة الأثاث المصرية تمامًا تحت أنقاض الإهمال والتآمر؟

قيادى عمالي مؤسس ورئيس المجلس القومى للعمال والفلاحين تحت التأسيس