شحاتة زكريا يكتب: العرق أثمن من الشعارات.. والاستقرار ثمرة جهد صادق
لم يعرف وطن عبر التاريخ طريقا نحو الاستقرار الحقيقي عبر الشعارات وحدها. الكلمات الجميلة قادرة على إذكاء الحماسة في القلوب ، لكنها عاجزة عن بناء جدار واحد أو حفر قناة أو تشغيل مصنع، وحده العرق ذلك الذي يخرج من جبين الفلاح والعامل والطالب والجندي، هو الذي يكتب للأوطان قصة البقاء.
لذلك فإن مصر اليوم وهي تخوض غمار واحدة من أعقد مراحلها لا تحتاج إلى المزيد من الخطابات بقدر ما تحتاج إلى المزيد من العمل الجاد إلى الجهد الذي يتحول إلى إنجاز، وإلى العرق الذي يثمر استقرارًا يليق بشعبها وتاريخها.
الاستقرار ليس هدوءا مؤقتا بين أزمة وأخرى بل هو مشروع ممتد في الزمن، تتراكم لبناته لتشكل جدارا صلبا يحمي الحاضر ويؤمن المستقبل، من يراقب مسار الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة يدرك أنها اختارت أصعب الطرق لكنها في الوقت ذاته اختارت الطريق الوحيد الممكن: طريق العمل؛ ففي وقت كانت فيه شعوب كثيرة تستسلم للعواصف وقفت مصر لتقول إن بناء الدولة لا يتحقق بالتمنيات بل بالعرق المصحوب بالإرادة.
لم تكن المعركة مع الخارج فقط بل كانت في جوهرها مع النفس أولا، مع عادات التراخي والانتظار وذهنية الاعتماد على الغير؛ لقد تعلم المصريون أن الاعتماد على الشعارات الرنانة قد يخدر الوعي للحظة لكنه سرعان ما يتبخر أمام أول اختبار حقيقي؛ أما العمل الصادق فيترك أثره العميق: مصنع جديد يفتح أبوابه، حقل يُزرع بعد أن كان أرضا بورا، طريق يربط المدن ببعضها ويختصر المسافات أو محطة كهرباء تنير بيتا كان غارقا في العتمة.
إن القيمة الكبرى للاستقرار أنه لا يُشترى ولا يُستعار من الآخرين بل يُنتزع بعرق الأجيال؛ فما نراه من إنجازات ليس مجرد مشروعات خرسانية أو أرقام في تقارير اقتصادية بل هو إرادة جماعية قررت أن تستعيد ثقة المواطن في نفسه ووطنه؛هذه الثقة لم تكن لتولد من فراغ بل من عمل ملموس من تضحية يومية من صبر على التحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.
الشعارات قد تجذب الانتباه لساعة أما العرق فيكتب التاريخ لقرون؛ يكفي أن نتأمل كيف عبرت مصر أزماتها الكبرى: لم يكن ذلك بشعارات ترفع بل بعرق عمال شقوا القنوات وحفروا الأنفاق وبدماء جنود صانوا الحدود وبإصرار فلاحين حوّلوا الصحراء إلى واحات؛ لذلك فإن الاستقرار الذي نعيشه اليوم هو ثمرة جهد طويل ومضن لكنه جهد يستحق كل لحظة تعب وكل قطرة عرق.
ولعل ما يميز التجربة المصرية أن الاستقرار لم يكن غاية في ذاته بل وسيلة لفتح أبواب المستقبل؛ فالبلاد التي تكتفي بالبحث عن "الهدوء" سرعان ما تسقط في فخ الركود ، أما مصر فقد جعلت من الاستقرار منصة للانطلاق: إصلاح اقتصادي قاسٍ لكنه ضروري مشروعات بنية تحتية عملاقة توجه جديد نحو التكنولوجيا والطاقة المتجددة وإعادة رسم لدور الدولة في محيطها الإقليمي والدولي؛ كل ذلك لم يكن ممكنا لولا أن الدولة والمجتمع معا قررا أن العرق هو الطريق الأقصر إلى الاستقرار.
إن الاستقرار الحقيقي لا يُمنح للشعوب بل تصنعه الشعوب بوعيها وصبرها× نحن نعيش لحظة فارقة تثبت أن المصريين حين يضعون أيديهم معا فإنهم قادرون على تحويل التحديات إلى فرص؛ وما تحقق حتى الآن هو دليل واضح على أن الاستقرار لم يأتِ بالصدفة ولم يكن هبة من أحد بل هو حصيلة تعب وجهد وإصرار على البقاء والنهضة.
ويبقى التحدي الأهم: أن ندرك أن هذا الطريق لم ينتهِ بعد، وما تحقق حتى اليوم يجب أن يكون دافعا لمزيد من العمل لأن الاستقرار ليس حالة تُحفظ إلى الأبد، بل هو بناء يحتاج إلى صيانة دائمة، وحين يضع كل مصري قطرة من عرقه في هذا المشروع الوطني الكبير، فإننا نضمن أن الأجيال القادمة سترث وطنا أكثر صلابة وأوسع أفقا.
إن العرق أثمن من الشعارات لأنه وحده القادر على تحويل الكلمات إلى واقع، والاستقرار حين يكون ثمرة جهد صادق يصبح ليس فقط حالة نعيشها بل قيمة راسخة تورث من جيل إلى جيل، وهذا هو الطريق الذي تسير فيه مصر اليوم: طريق العرق والعمل لا طريق الشعارات العابرة.

