الطريق
الخميس 4 يونيو 2026 02:16 مـ 18 ذو الحجة 1447 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
محافظ قنا يتفقد مصنع تدوير المخلفات الصلبة بقوص ويتابع منظومة النظافة وتحسين الخدمات البيئية للمواطنين وزير الدفاع وعدد من الوزراء يتفقدون منظومة الإعداد والتأهيل لطلبة الكليات العسكرية والدورات المدنية محافظ قنا يتفقد المجزر النصف آلي بقوص ويوجه بسرعة تشغيله وتدريب الكوادر الفنية محافظ قنا يتابع مشروعات الخطة الإستثمارية بقوص وتطوير البنية التحتية وإزالة الإشغالات ودعم القطاع الصحي محمود مسلم: مصر تواجه تهديدات إقليمية لم تحدث على مدار التاريخ.. وكل الجبهات مشتعلة محافظ قنا يتفقد التجهيزات النهائية لإفتتاح ”مجمع موقف قنا الجديدة” ويوجه بمراجعة أعمال المرافق وتوصيل الإنترنت أمين شباب حزب ”المصريين”: الاعتداء الإيراني على الكويت انتهاك صارخ للقانون الدولي محمد حماقى يواصل حصد الأرقام القياسية على أنغامي.. أكثر من 15 مليون استماع عالم أزهري: دجال إثيوبيا كاذب ومفترٍ وتسبب عمدًا في قتل ضحاياه أستاذ أورام: حقنة ”الاميفان” تحت الجلد تُحدث طفرة في علاج الأورام المتقدمة النائب إيهاب منصور يحسمها: يحق للمواطن التصالح على شقته منفردة حتى لو كان البرج بأكمله مخالفًا النائب إيهاب منصور: قانون التصالح بحاجة لقرار سيادي لكسر الجمود الإداري بالمحليات

شحاتة زكريا يكتب: سلام مؤجل.. ودماء تكتب الحاضر

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

السلام في منطقتنا يشبه وعدا عالقا في الهواء يلوّح للجميع من بعيد لكنه لا يقترب بما يكفي ليصبح واقعا ملموسا. منذ عقود ونحن نعيش بين هدنة وأخرى وبين جولة مفاوضات لا تكتمل وأخرى تتعثر قبل أن تبدأ. وبينما تتداول الطاولات نصوص الاتفاقيات والضمانات يظل المشهد على الأرض مرسوما بالدم وكأن الحاضر لا يعرف لغة غير الجراح.

الدماء التي تُسفك في الحروب والصراعات ليست مجرد خسائر تُحصى في بيانات رسمية بل هي كتاب الحاضر المفتوح. كل قطرة دم تُراق تصوغ جملة جديدة في نص مؤلم تقول للأجيال القادمة: هنا كان هناك عجز عن صناعة المستقبل بغير ثمن باهظ. السلام المؤجل يعني أن المعاناة تتواصل وأن الأمل يُرحل من جيل إلى جيل كأنه ميراث ثقيل فيما تنشغل العواصم بترتيب أولوياتها وتُترك الشعوب لتدفع أثمان العجز الدولي والأنانية السياسية.

ما يجعل الأمر أكثر إيلاما هو أن فكرة السلام لم تعد مجرد حلم بل تحوّلت إلى أداة تفاوض ومساومة. في لحظات كثيرة يُرفع شعار السلام لا ليتحقق بل ليُستخدم كغطاء لإدارة الصراعات أو لتثبيت أمر واقع على حساب آخرين. وعندما يتحول السلام إلى ورقة ضغط يفقد معناه الأصيل ويصبح جسرا مؤقتا فوق نهر من الدماء سرعان ما ينكسر مع أول عاصفة.

لكن على الرغم من قتامة الصورة هناك حقيقة لا يمكن إنكارها: الدماء التي تُكتب بها فصول الحاضر ليست بلا معنى. هي شهادة على صلابة الشعوب وعلى أن الوعي الجمعي لا يُهزم بسهولة. فالتاريخ علمنا أن كل مأساة تحمل في داخلها بذور التحول وأن أصوات المظلومين قد تتأخر لكنها لا تختفي.

القضية الجوهرية هنا ليست فقط في غياب السلام بل في غياب العدالة التي تُؤسِّس له. لا يمكن لسلام أن يترسخ بينما يُبنى على اختلال موازين القوى أو على تجاهل الحقوق المشروعة للشعوب. السلام الحقيقي ليس غياب الحرب فحسب بل حضور الكرامة وضمان الأمن وبناء الثقة. وهذا ما يجعل السلام المؤجل أكثر خطورة من الحرب أحيانا لأنه يترك الجراح مفتوحة ويؤجل المواجهة مع الأسباب الحقيقية للأزمات.

في عالم يتغير بسرعة تُعاد فيه صياغة الخرائط والتحالفات تبدو منطقتنا وكأنها رهينة زمن معطل. الأطراف الدولية تتعامل مع أزماتنا كأوراق في لعبة كبرى فيما تغيب الرؤية المستقلة القادرة على فرض معادلة توازن جديدة. وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف نصنع سلامًا بأيدينا لا بقرارات تُملى علينا من الخارج؟ كيف نُحوّل الدماء التي كتبت الحاضر إلى وعي يُؤسس لمستقبل مختلف؟

ربما يكون الجواب في إدراك أن السلام ليس منحة بل نتيجة معادلة صعبة قوامها القوة والوعي والعدل. فحين تملك الشعوب القدرة على حماية نفسها وتبني دولها اقتصادا قويا ومجتمعا متماسكا تصبح قادرة على فرض شروط سلام عادل لا يُؤجل. عندها فقط لن يكون الحاضر مكتوبا بالدماء بل بالمبادرات والإرادات الحرة.

السلام المؤجل قد يكون قدر هذه المرحلة لكنه لا يمكن أن يكون قدر الأجيال القادمة. لأن كل جرح يُترك بلا علاج يتحول إلى ندبة في جسد الأمة وكل تأجيل يضاعف الفاتورة. إن إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو تحويل السلام من ورقة تفاوض إلى واقع ومن وعد معلق إلى عهد مكتوب بالوعي والإرادة.

وفي النهاية قد يطول الطريق لكن الشعوب التي تدفع الثمن اليوم تعرف أن التاريخ لا يُكتب دائما بأقلام الساسة وحدهم بل يُكتب أيضا بدماء الشهداء وبصبر الأمهات وبإصرار كل من يرفض أن يكون السلام مجرد أغنية مؤجلة.