عاطف البطل يكتب: عن نظام التفاهة
ضمن سلسة مقالات قرأت إليكم التي بدأتها منذ فترة، فسأعرض إليكم ملخصًا عن كتاب "نظام التفاهة" هو للدكتور آلان دونو، أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية بجامعة كبيك في كندا، والنسخة التي أعرضها هي مترجمة من قبل الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري، أستاذة القانون بكلية الحقوق في جامعة الكويت.
وقد ذكرتْ أنّها جمعتْ بين يديها النسختين، الفرنسية والإنجليزية، وقامتْ بالترجمة من النسخة الأصلية الفرنسية، ولم تعتمد على الترجمة الإنجليزية؛ لأنّ هذه الترجمة أغفلتْ الكثير من العبارات على حد قولها.
وقد قرأتُ النسخة المترجمة، و تبيّن لي أنّ المؤلف حلّلَ النظام الرأسمالي العالمي بدقة وإتقان كبيرين، إذ يرى أننا نمر اليوم بمرحلة تاريخية لا نظير لها أبدًا، إذ تسود في هذه المرحلة سيطرة التافهين، على محاور الدولة الحديثة، فهم يتصدرون المشهد، وقد ظهر ذلك بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي، وازدياد عدد متابعيهم عن غيرهم من العلماء وأهل الثقافة.
وقد حدد المؤلف أركان هذا النظام "نظام التفاهة" ويرى أنّ له رموزًا تافهة، ولغة تافهة، وشخصيات تافهة، وأدوات تافهة، وكل ذلك أدى إلى نجاح هذا النظام الذي أوهم الأفراد أنّهم أحرار يفعلون ما يحلو لهم.
وفيما يتصل بالنظام الاجتماعي فقد ركز المؤلف عليه، وحدد ركائزه الأساسية سواء أكانت أكاديميات أم قطاع التعليم؛ لأنها مصدر المعرفة والثقافة الاجتماعية، فكشف عن تواطؤ هذه المراكز ذات التوجه الإنتاجي والتجاري البحت الذي يضر الطلاب والمعلمين والإداريين؛ لأنه يجعل الفكرة المحورية الرئيسة هي زيادة الإنتاج فقط، دون النظر إلى تعليم جيد
أو اكتساب معرفة أو مهارة.
وقد انعكس هذا على لغة الكتابة الأكاديمية التي وصفها الكاتب بالسيئة؛ وذلك بسبب بقاء كل مَنْ يمارسها أسيرًا للهدف التجاري البحت، وهذا ما نراه حاضرًا بقوة أمام أعيننا.
كما يرى الكاتب أنّ نظام التفاهة يُقصي أي محاولة للعودة إلى هدف التعليم المعرفي والنهوض به، فهو ينتج كاتبًا سيئًا، ومعلمًا غير مستقر على حد قوله.
وقد ألقى الكاتب الضوء على هذه المرحلة التي بلغناها في ظل هذا النظام "نظام التفاهة" والتي وصلتْ
إلى مستويات أعلى ليصل إلى التجارة ورأس المال،
حيث يحرك الاقتصاد اليوم روبوتات وخوارزميات لسنا قادرين على استيعاب آلية عملها وسرعتها، لكننا مجبرون على دفع ثمن أخطائها.
وفي هذا السياق تُستخدم برامج التثقيف الاقتصادية؛ لتشتيت الناس ومنعهم من إدراك الفوضى السائدة في سوق البورصة، ويرى أنّ هذه البرامج لا تثقف الفرد، بل تعمل
على تضليله وتغييب عقله.
كما يرى أنّ هذا الاقتصاد" الغبي " -كما يسميه الكاتب- يغيّب عقولنا ويطحننا بالضرائب، بينما يتغنى بإنتاج الطائرات النفّاثة فائقة التكلفة لأصحاب المال ورؤسائه الفاسدين، الذين ينهبون الثروات العامة.
وأما عن الصين، فقد تحدث عنها "دونو" حينما تحدث عن الصناعة والتجارة. فهو يحذرنا من الأوليغارشية التي خطت خطواتها الأولى؛ بتحويل المشهد الصناعي الصيني نحو المناطق الحرة ومناطق الأوف شور، تلك المناطق التي تتيح قوانينها لمؤسسي الشركات إخفاء هويتهم الحقيقية، كما تتيح لهم الاجتماعات العامة من خلال الهاتف، ولا يتطلب منهم الكشف عن القوائم المالية لشركاتهم.
وتجذب هذه البلدان معظم المستثمرين المتهربين من الضرائب الكبيرة في بلدانهم الأصلية؛ لتخفيف عنهم الضرائب على الرغم من استثمارهم في بلادهم المحلية.
وتعد هذه البلدان ملاذات ضريبية يسهل التداول المالي فيها بعيدًا عن أعين القانون؛ ليتيح المجال للسلطة الرأسمالية بممارسة ألاعيبها كافة لنهب خيرات الشعوب بقانونها الحر، وبدلاً من تطور المؤسسات نحو استيعاب الموظفين وزيادة معدلات الدخل وإنعاش الموارد البشرية، تتجه الشركات إلى تقليل الوسطاء وصرف الموظفين واختصار النفقات لزيادة الأرباح.
أما الأخطر في ذلك كله فهو أنّ المتواطئ الرئيس مع خططهم هي نقابات العمال، وينجم عن ذلك كله الهوس المالي، وأنّ تتمتع النقود بالقيمة المطلقة؛ فتكون قادرة على تحقيق أي طموحات، ويؤدي ذلك إلى آثار اجتماعية شديدة الخطورة، كظهور شخصيات تعاني من أمراض نفسية مرتبطة حصرًا بالنقود، مثل الجَشع، والإسراف، والطمّع، وغيرها.
كما يفرق الكاتب على المستوى الثقافي والحضاري بين مفهومين للاقتصاد، المادي والوجداني، موضحًا أنّ الأول أصبح يحكم الثاني؛ إذ لم تعد العفوية والحرية الانفعالية والرفاهيّة العاطفيّة أمورًا ممكنة في منأى عن الحالة المادية، كما بات رأس المال مستحوذًا على كل حق، إلى درجة لم تعد فيها حتى الفكاهة قادرة على النيل من النظام التافه.
أدوات نظام التفاهة:
يمكن لنا أنْ نحدد أهم أدوات هذا النظام كما وضحها الكاتب، وهم المشاهير والأثرياء الذين يدافعون بقوة عما يسببه هذا النظام من كوارث مدمّرة في مختلف مناحي الحياة.
أمّا الفنان الحقيقي فيختفي، فالمطلوب هو فن بلاستيكي ينتج سلعًا فنيةً لا تعكس سوى صورة التفاهة في كل أنواع الفنون، كما نرى ونشاهد.
ولقد وصلنا إلى مرحلة أصبح معها المجتمع كله متعطشًا لفن حقيقي يلامس جوهر الوجود الإنساني، فالفن من أكثر الأدوات الإنسانية قدرة على الارتقاء بالمجتمع، ولهذا علينا دعم جميع أشكال الفن الحقيقي التي ترتقي بالمجتمع.
ويؤكد "دونو" في نهاية هذا الكتاب أهمية الثورة على نظام التفاهة؛ لأنه يقودنا إلى الانحطاط الأخلاقي والنفسي والمادي والاجتماعي، وخير شاهد على ذلك ما نراه بأعيننا، ونسمعه بآذاننا، على منصات مواقع التواصل المختلفة، فهل من مجيب يسمع ويعقل؟

