علاء السعودي يكتب: صراع الأقنعة والكفاءة
في كل مؤسسة، هناك صراع خفي يدور بين المهنية الحقيقية وبين الانتهازية الرخيصة، ويظهر جليًا زيف بعض العاملين الذين يرتدون قناع التملق والتقرُّب للمسؤولين، مستعدين لتقديم زملائهم ككبش فداء أو التسبب في ظلمهم المباشر، كل ذلك في سبيل منفعة شخصية ضيقة الأفق كترقية عاجلة أو مكافأة سريعة، وهذا السلوك ليس مجرد خطأ أخلاقي فردي، بل هو قنبلة موقوتة تُهدد أسس المؤسسة ومستقبلها.
ويعتقد هؤلاء المتزلفون أنهم يُحققون الفوز عندما ينجحون في تشويه صورة الزميل عن طريق الوشاية والتقارير المُضللة التي تُقلل من إنجازات الآخرين أو تُضخم أخطائهم، فضلًا عن نسب نجاحات الزملاء لأنفسهم، مما يحرم الكفاءات الحقيقية من التقدير المُستحق، علاوة على الموافقة المُطلقة على قرارات المسؤولين، حتى الخاطئة منها، لضمان القرب والحظوة، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة أو العدالة، وهذا النجاح، الذي يُبنى على أكتاف الآخرين وعلى رمال الزيف، هو نجاح أجوف وقصير الأجل، فهو لا يعكس كفاءة أو قيمة مُضافة حقيقية، بل يعكس قدرة على المناورة والتمثيل.
ولا يكمن الخطر الأكبر فيما يحصل عليه الشخص المُتملق، بل في التكلفة الباهظة التي تدفعها المؤسسة بأكملها نتيجة لهذا السلوك السام، وعلى رأسها تآكل الكفاءات؛ فعندما يسود الظلم، يُغادر أفضل الموظفين وأكثرهم كفاءة، لأنهم يرفضون العمل في بيئة يُكافأ فيها المتملق ويُعاقب فيها المُجد، وتخسر المؤسسة برحيلهم الخبرة، والابتكار، والولاء، فضلًا عن تدني مستوى الجودة والابتكار، وتصبح القرارات الإدارية مبنية على تقارير كاذبة ومنظور شخصي ضيق يُقدمه المتملقون، بدلاً من أن تكون مبنية على حقائق الأداء الموضوعية، ويؤدي هذا إلى اتخاذ قرارات خاطئة، وتراجع في جودة المخرجات، ووأد محاولات الابتكار خوفًا من الفشل الذي قد يستغله الزميل الظالم، ويتحول الفريق إلى مجموعة من الأفراد المتوجسين، لا يثقون ببعضهم البعض ولا يتعاونون، خوفًا من أن يُستخدم جهد أحدهم ضد الآخر، ويتوقف تدفق الأفكار وتنعدم روح الفريق، وهو ما يُعد ضربة قاضية لأي مؤسسة تسعى للنمو.
ورسالتي إلى كل من يظن أن بناء مجده المهني يتطلب هدم مسيرة زميله، وإلى كل من يرى في التملق وسيلة أسرع للوصول: تذكّروا أن سمعتكم الحقيقية لا تُبنى في مكاتب المديرين، بل في قلوب وعقول زملائكم، والأقنعة تسقط حتمًا، والمؤسسات التي تسمح للظلم بالاستمرار غالبًا ما تُعاني من تذبذب في القيادات، وعندما تتغير الإدارة، يجد المتملق نفسه وحيدًا، وقد انهار بنيانه الزائف الذي بناه على الأكاذيب، والقيمة الوحيدة الدائمة التي تضمن لك النجاح في أي مكان هي كفاءتك، ومهنيتك، ونزاهتك؛ أما المنافع التي حصلت عليها بالظلم، فهي لا تُساهم في تطوير مهاراتك الفعلية بل تُزيد من شعورك بالهشاشة.
وأخيرًا أقول لهؤلاء الأشخاص إن احترام الذات لا يُشترى، ولا يمكن لمن باع ضميره لأجل منفعة عابرة أن ينام مرتاح البال أو أن ينظر لنفسه باحترام، لأن النجاح الحقيقي هو الذي يأتي نتيجة للجهد الصادق والقيمة المُضافة، لا نتيجة لـ"خنجر في الظهر"، ويجب على المؤسسات أن تعي أن البيئة العادلة هي أغلى استثمار لها، وأن عليها اجتثاث جذور الظلم والزيف قبل أن يتحول التسمم إلى فشل تنظيمي لا يمكن التعافي منه.

