شحاتة زكريا يكتب: ثقافة تنهض… كيف يعود الوعي ليقود المجتمع بدل أن يطارده؟
في اللحظة التي يختلط فيها الصخب بالمعرفة وتتراجع فيها الكلمة أمام ضجيج المنصات، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل ما زال الوعي قادرًا على قيادة المجتمع؟ أم أننا صرنا نطارده في محاولة بائسة للحاق بعالم يتحرك أسرع مما ينبغي؟.
الثقافة ليست رفاهية كما يتوهم البعض ، ولا هي زينة لواجهة اجتماعية تبحث عن الرقي. الثقافة – بمعناها العميق – هي جهاز المناعة الذي يحمي المجتمع من الفوضى من الجهل ومن السقوط في هاوية اللاوعي. أمة بلا ثقافة كجسد بلا نبض ، ووعي بلا صوت يشبه مدينة تضاء بمصابيح منطفئة. ومع ذلك ورغم هذا المعنى الجوهري نجد أن الثقافة اليوم أصبحت محاصرة محاصرة بزمن سريع بمنصات سطحية وبجمهور يريد كل شيء الآن دون انتظار ولا تأمل.
لكن الحقيقة أن الأمم التي تصنع حضارتها لا تفعل ذلك عبر السرعة ، بل عبر الاستيعاب. الوعي ليس مادة تُستهلك بل قيمة تبنى وتغرس في العقول والقلوب. وحين تنهض الثقافة، لا تنهض كتلة جامدة من الكتب أو الاحتفالات، بل تنهض كروح جديدة تنتشر في المجتمع تغيّر طريقة التفكير وتعيد ترتيب أولويات الحياة.
لقد عاش العالم في السنوات الأخيرة واحدة من أعنف موجات التشويش. الأخبار تتدفق بلا توقف المعلومات تتزاحم فوق شاشة واحدة الحقائق تُصاغ كما يريدها أصحاب النفوذ والإنسان البسيط يقف حائرا بين ما يسمعه وما يراه وما يُطلب منه أن يصدقه. في هذه الفوضى تراجع الوعي خطوة… ثم أخرى… ثم بات يركض لاهثا خلف مجتمع يسير بلا بوصلة.
لكن السؤال هنا: هل يمكن للثقافة أن تستعيد القيادة؟ وهل تستطيع أن تتحول من جدار دفاعي إلى قوة دافعة للمجتمع؟.
الإجابة نعم، لكنها ليست نعم سهلة ولا مجانية. إنها نعم مشروطة بوعي جديد، برؤية جديدة وباستراتيجية تجعل الثقافة جزءًا من حركة الحياة لا مجرد مظاهرة احتفالية تمر سريعًا ثم تختفي.
الخطوة الأولى تبدأ من فهم طبيعة الثقافة نفسها. الثقافة ليست كتابًا يُقرأ ولا مهرجانا يُلتقط له الصور؛ الثقافة هي موقف فكري هي طريقة في النظر للعالم، أسلوب في طرح الأسئلة قبل البحث عن الإجابات، قدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، بين المعرفة والدعاية بين الفكرة والنغمة التي تُروّج لها.
ولهذا لا يمكن لمجتمع أن ينهض بينما ثقافته تقف عند حدود الاستقبال تنتظر ما يُلقى إليها؛ لا نهضة بلا ثقافة انتاجية؛ ثقافة تخلق، تبتكر، تفسر، وتفتح أبواب الأسئلة لا أن تغلقها.
والملفت أن الوعي حين ينقاد خلف المجتمع يتحول إلى تابع؛ يلهث خلف ردود الفعل خلف التريند خلف ما يُحدث ضجة؛ لكن حين تتحرك الثقافة في موقع “القائد” يعود كل شيء إلى مكانه الصحيح: العقل يقود المشهد الضمير يضبط الإيقاع والمجتمع يتحرك وفق رؤية لا وفق لحظة عابرة.
في الدول التي نجحت في بناء مجتمعات قوية لم يكن الاقتصاد وحده هو السبب ولا السياسة وحدها هي المحرك؛ الثقافة هناك هي العقل الجماعي للأمة؛ هي ما يجعل الفرد يرى نفسه جزءا من مشروع أكبر وما يجعل المجتمع قادرا على تجاوز أزماته دون أن يفقد تماسكه؛ لهذا حين تنهار الثقافة، ينهار معها الشعور بالانتماء وتنشر الفوضى ظلالها فوق كل شيء.
اليوم يقف العالم على حافة مرحلة جديدة؛ مرحلة يصبح فيها المحتوى أسرع والصوت أعلى والصورة أكثر هيمنة، وفي هذا الزحام يبدو من السهل أن نفقد قدرتنا على التمييز؛ لكن هنا تحديدا وفي هذا التوقيت تحتاج الأمة إلى ثقافة تمسك بزمام الأمور تعيد للوعي سلطته تعيد للمجتمع صوته الحقيقي بعيدًا عن ضوضاء المصالح.
إن ثقافة تنهض ليست تلك التي تبهرنا بالمهرجانات بل التي تضيف للعقل مساحات جديدة من التفكير. ثقافة تقرّبنا من الحقيقة، لا من الزيف؛ ثقافة تجعل من القراءة فعل مقاومة ومن السؤال طريقا للمعرفة، ومن الحوار وسيلة للبقاء.
والأهم من ذلك كله ثقافة تسمح للناس أن يروا أنفسهم، أن يسمعوا صوتهم الداخلي أن يشعروا بأنهم ليسوا مجرد متلقين بل شركاء في صناعة المعنى.
وحين تعود الثقافة إلى المجتمع كقوة قيادية يبدأ التغيير الحقيقي؛ يبدأ حين يتحول الوعي من حالة دفاعية إلى حالة هجومية، من رد فعل إلى فعل من مطاردة إلى قيادة. يبدأ حين نستعيد إيماننا بأن المجتمع القوي لا يُبنى بالقوانين فقط، ولا بالمشروعات الكبرى وحدها، بل يُبنى بالإنسان الواعي القادر على اتخاذ قراره بحرية ومسؤولية.
الثقافة التي تنهض ليست شعارا ولا حلما بعيدا. إنها ضرورة؛ إنها السور الذي يحمي العقول من الانهيار، وهي الجسر الذي يعبر به المجتمع نحو المستقبل؛ وكل مجتمع يسعى لأن يتقدم عليه أولا أن يعيد الاستثمار في الوعي في القراءة في الفنون، في الفلسفة، في الحوار، في التعليم. فهذه ليست رفاهية، هذه مصانع إنتاج العقل.
وفي النهاية يبقى السؤال الأعمق: هل نريد مجتمعا يقوده الوعي، أم نكتفي بمجتمع يطارد لحظات الترفيه وينسى نفسه؟
الإجابة تحدد شكل الغد، وإذا كان العالم يتحرك بسرعة مخيفة، فإن المجتمع الذي يريد أن ينهض لا يحتاج أن يجري خلفه؛ بل يحتاج أن يسابقه بثقافة أقوى، ووعي أعمق، وعقل يعرف إلى أين يذهب.
وحين يحدث ذلك لن يطارد المجتمع الوعي بعد اليوم، بل سيعود الوعي ليجلس في مكانه الطبيعي: قائدا لا تابعا وصوتا ينهض بالأمة كلها.

