الطريق
الجمعة 26 يونيو 2026 01:33 مـ 10 محرّم 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي

كيف حصّنت إيران مخزونها النووي وعقّدت مهمة نزعه؟

 

يتحول الملف النووي الإيراني إلى عقدة شائكة في مسار التفاوض مع واشنطن، بعدما باتت مسألة اليورانيوم الإيراني المخصب محوراً رئيسياً في أي اتفاق محتمل. فقد عززت طهران خلال الأسابيع الأخيرة تحصين مواقع تخزين موادها النووية، ما جعل الوصول إليها أكثر صعوبة وخطورة، وأثار تساؤلات جوهرية حول من سيتولى مهمة نزعها وكيف.

تحصينات جديدة تعقّد المشهد

بحسب ما نقلته شبكة «سي إن إن» عن خمسة مصادر مطلعة على تقارير الاستخبارات الأميركية، أغلقت إيران الأنفاق وزرعت الألغام في مداخل مواقع تخزين اليورانيوم عالي التخصيب. ونتيجة لذلك، أصبح الوصول إلى نحو نصف طن من المواد النووية أكثر صعوبة وخطورة، ويستغرق وقتاً أطول بكثير مما كان عليه قبل شهر فقط، حين كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلمّح علناً إلى احتمال إصدار أوامر للجيش بالسيطرة على هذه المواد.

ويرى مراقبون أن حديث ترمب العلني عن اليورانيوم كهدف محتمل هو ما دفع طهران إلى تعزيز دفاعاتها حول هذه الأصول الاستراتيجية.

لماذا يثير المخزون كل هذا القلق؟

لفهم حساسية الملف لا بد من العودة إلى مفهوم تخصيب اليورانيوم ذاته، وهو العملية التي تُرفع من خلالها نسبة النظير الانشطاري في المادة عبر أجهزة الطرد المركزي. فكلما ارتفعت درجة التخصيب اقترب اليورانيوم من المستوى الذي يثير قلق المجتمع الدولي، وهو ما يجعل مصير نصف الطن المخزّن في إيران بنداً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. ويعتقد المجتمع الدولي أن معظم هذا المخزون موجود داخل أنفاق منهارة في مجمع أصفهان النووي بوسط إيران، فيما توجد كميات إضافية في مواقع أخرى.

ملامح اتفاق محتمل

قال مسؤول أميركي رفيع إن الولايات المتحدة وإيران باتتا «قريبتين جداً» من اتفاق، مشيراً إلى أن فرص توقيع مذكرة التفاهم ارتفعت إلى ما بين 80 و85 بالمئة. وبحسب الرواية الأميركية، يلزم الاتفاق إيران بتسليم اليورانيوم المخصب، على أن يُدمَّر في الموقع ثم يُنقل خارج البلاد. غير أن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين قدّموا روايات متباينة، فيما أثار تسريب نص مزعوم لمسودة الاتفاق إلى وكالة إيرانية شبه رسمية غضب ترمب.

ويمكن تلخيص أبرز التعقيدات في النقاط التالية:

  • التحصينات الجديدة تجعل الإخراج صعباً وخطيراً حتى بالنسبة للإيرانيين أنفسهم، إذ يتطلب معدات حفر ثقيلة وعمليات إزالة ألغام معقدة.
  • احتمال أن تدّعي طهران أن جزءاً من المخزون أصبح «غير قابل للاستخراج»، ما يحول دون التحقق الكامل.
  • الحاجة إلى نقل المخزون إلى موقع مركزي للتحقق منه، بما يضع مسؤولية الجرد الكامل على عاتق طهران.

خبراء يحذّرون من صعوبة المهمة

قال سكوت روكر، الذي ترأس مكتب إزالة المواد النووية في الإدارة الوطنية للأمن النووي الأميركية بين عامي 2017 و2021، إن صحة هذه المعلومات ستعقّد بلا شك عملية استعادة اليورانيوم، وقد تمنح إيران فرصة لإخفاء جزء من مخزونها أو التهرب من إثبات امتثالها الكامل.

وكان الجيش الأميركي قد أعدّ في منتصف مايو خطة للسيطرة على المواد، لكنها اعتُبرت «عالية المخاطر» وجرى العدول عنها. وقد أقرّ ترمب نفسه بخطورة الاستعادة بالقوة، معرباً في مقابلة مع «فوكس نيوز» عن شكوكه في قدرة الإيرانيين على الوصول إلى هذه المواد من دون أن ترصدهم الاستخبارات.

لوجستيات نزع معقّدة

من المرجح أن تتطلب عملية إخراج اليورانيوم نشر منشأة متنقلة متخصصة لمعالجة المواد النووية، تشرف عليها الإدارة الوطنية للأمن النووي بالتعاون مع مختبر «أوك ريدج» في ولاية تينيسي. وكان كبير المفاوضين الأميركيين، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، قد زارا المختبر هذا الشهر. ومع ذلك، يحتاج حتى أبرز الخبراء إلى وقت طويل، إذ قال ترمب إن العملية ستستغرق أسبوعين على الأقل، وإن تأمين هذه المواد يمثل أولوية في إطار المفاوضات لإنهاء الحرب وإعادة فتح الملاحة في الخليج.

سيناريوهات ما بعد التوقيع

حتى في حال توقيع الاتفاق خلال الأيام المقبلة، يبقى من المتوقع إجراء مفاوضات تقنية إضافية لتحديد تفاصيل مستقبل البرنامج النووي الإيراني. فالتوقيع لا يعني نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة أكثر دقة تتعلق بآليات التحقق والنقل والتدمير. ويزيد من تعقيد هذه المرحلة أن التحصينات الجديدة قد تتحوّل إلى ورقة تفاوضية بيد طهران، إذ يصبح بإمكانها المماطلة في فتح المواقع أو التذرّع بصعوبة الوصول.

وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن تأمين هذه المواد يمثل أولوية لا تقبل التأجيل، لأنه يرتبط مباشرة بهدفها المعلن المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وبين إصرار أميركي على ضمانات صارمة، وحرص إيراني على عدم تقديم تنازلات مجانية، يبقى مصير نصف الطن المخزّن رهيناً بقدرة الطرفين على بناء حدّ أدنى من الثقة المتبادلة.

في الختام

يكشف هذا الملف أن نزع مخزون نووي ليس قراراً سياسياً فحسب، بل عملية تقنية ولوجستية شديدة التعقيد قد تطول مفاوضاتها حتى بعد توقيع أي اتفاق. فهل تنجح واشنطن وطهران في تجاوز فجوة الثقة وتحويل النيات إلى خطوات قابلة للتحقق، أم تبقى الأنفاق المحصّنة عقبة أمام أي تسوية؟ شاركنا رأيك في الطريق الأقرب إلى الحل.