الطريق
الخميس 6 أغسطس 2026 03:18 مـ 21 صفر 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
450 عارضًا في ديارنا.. «التضامن» تفتح أكبر سوق للمنتجات مجانًا|فيديو 35 درجة.. الأرصاد تكشف مفاجأة: لا موجات حارة والحرارة مستقرة|فيديو دكتور محمد إحسان يكتب: لماذا لا تدخل إيران وتركيا في حرب؟.. التوازن الاستراتيجي الأكثر رسوخًا في الشرق الأوسط كلمة السر مضيق هرمز.. خبير: 60 يومًا قد تنقذ العالم من أزمة نفط جديدة|فيديو الأسرة خط الدفاع.. مدحت وهبة: الفضول أول طريق الإدمان والوقاية هي الحل|فيديو حسين هريدي: أمن الخليج على رأس مباحثات القمة المصرية البحرينية|فيديو استقرار أسعار الذهب بمصر اليوم الخميس وسط ترقب الأسواق للتحركات العالمية المقبلة أسعار العملات اليوم الخميس 6 أغسطس 2026.. الدولار يواصل التراجع والبنوك تترقب طقس اليوم الخميس.. انكسار الموجة الحارة وانخفاض الحرارة مع استمرار الرطوبة أسعار الفضة اليوم الخميس تستقر محليًا وسط متابعة المستثمرين لتحركات الأسواق العالمية ثبات أسعار الحديد والأسمنت يدعم مشروعات البناء واستقرار تكاليف التنفيذ اليوم استقرار أسعار اللحوم والدواجن والأسماك اليوم الخميس يدعم استقرار الأسواق المصرية

دكتور محمد إحسان يكتب: لماذا لا تدخل إيران وتركيا في حرب؟.. التوازن الاستراتيجي الأكثر رسوخًا في الشرق الأوسط

الدكتور محمد إحسان جامعة ييل
الدكتور محمد إحسان جامعة ييل

في منطقة تتبدل فيها التحالفات سريعًا، وتشيع فيها الحروب بالوكالة، وتُعيد المواجهات العسكرية تشكيل الحقائق السياسية، تبرز العلاقة بين إيران وتركيا بوصفها حالة استثنائية من الاستقرار النسبي. فعلى مدى عقود، تنافست الدولتان في معظم الساحات الجيوسياسية الأساسية في الشرق الأوسط، ومع ذلك تجنبتا الانزلاق إلى حرب مباشرة. وليس هذا الامتناع نتيجة صداقة سياسية أو تقارب أيديولوجي أو ثقة دبلوماسية متبادلة، بل هو تعبير عن توازن استراتيجي عميق يدرك فيه الطرفان أن المنافسة تخدم مصالحهما، بينما تهدد الحرب أسس نفوذ كل منهما الإقليمي.

ويرى بعض المراقبين أن غياب الصدام يعود إلى الردع العسكري أو المصالح الاقتصادية فقط. غير أن هذا التفسير، رغم صحته الجزئية، لا يلتقط المنطق الأعمق الذي حكم سلوك البلدين عبر عقود. فالعلاقة بين إيران وتركيا هي في جوهرها تنافس مضبوط ومحسوب، يسعى فيه كل طرف إلى توسيع نفوذه من دون تجاوز عتبة المواجهة المباشرة. إنها منافسة شديدة، لكنها منافسة مُدارة بعناية.

في قلب هذا التوازن يقف ميزان قوة لا يعتقد أي طرف أنه قادر على حسمه لصالحه. فقد استثمرت إيران بقوة في أدوات الحرب غير المتماثلة، مثل الصواريخ الباليستية، وشبكات الوكلاء، والعمليات السيبرانية، وأساليب الحرب غير التقليدية. وهذه القدرات لا تهدف بالضرورة إلى تحقيق نصر تقليدي شامل، بل إلى رفع كلفة أي مواجهة إلى مستوى يفوق ما يمكن احتماله. وفي المقابل، تمتلك تركيا أحد أكثر الجيوش تطورًا في المنطقة، مدعومًا بسلاح جو حديث، وتقنيات متقدمة في الطائرات المسيّرة، وقوة برية كبيرة، فضلًا عن المزايا الاستراتيجية المرتبطة بعضويتها في حلف شمال الأطلسي. وهكذا، يمتلك كل طرف ما يوازن قدرات الطرف الآخر، بما يجعل الحسم العسكري أمرًا غير مضمون، بل وربما كارثيًا.

ويؤدي هذا الردع المتبادل إلى حقيقة استراتيجية واضحة: لا طهران ولا أنقرة تعتقدان أن حربًا مباشرة ستجعلهما أكثر قوة أو أمنًا. فحتى النزاع المحدود قد يتحول إلى مواجهة طويلة تستنزف الموارد العسكرية، وتضعف الاقتصادين الداخليين، وتفتح المجال لتدخلات خارجية تزيد الوضع تعقيدًا. وبذلك تصبح كلفة الحرب المحتملة أعلى بكثير من أي مكسب محتمل منها.

كما تلعب الجغرافيا دورًا مهمًا في ترسيخ هذا التوازن. فالحدود الجبلية الفاصلة بين إيران وتركيا تشكل، تاريخيًا وعمليًا، أحد أكثر الحواجز الطبيعية صلابة في أوراسيا. وأي عملية عسكرية واسعة عبر هذه التضاريس ستتطلب موارد لوجستية ضخمة، وستعرض القوات المهاجمة لصعوبات ميدانية كبيرة. ورغم أن التكنولوجيا العسكرية الحديثة غيّرت الكثير من طبيعة الحروب، فإن الجغرافيا ما تزال تفرض قيودًا لا يمكن تجاوزها بسهولة. فالحدود هنا وعرة، وصعبة الإمداد، وأكثر صعوبة في السيطرة والاحتفاظ بها. ولهذا، تتحول الجغرافيا إلى رادع استراتيجي قائم بذاته.

ويضيف التاريخ عنصرًا آخر من عناصر الاستقرار. فخلافًا لكثير من الخصومات الحديثة في الشرق الأوسط، فإن النزاع الحدودي بين إيران وتركيا قد حُسم قبل قرون. فقد أصبحت الحدود التي استقرت بعد الصراعات العثمانية الصفوية من أكثر الحدود الدولية رسوخًا في المنطقة. ورغم أن البلدين واصلا التنافس على النفوذ خارج حدودهما، فإن أياً منهما لم يشكك بجدية في شرعية الحدود نفسها. وقد أزالت هذه التسوية التاريخية واحدًا من أهم أسباب الحرب بين الدول، لينتقل التنافس من صراع على الأرض إلى صراع على النفوذ.

وهذا الفرق جوهري، لأن النفوذ يمكن التفاوض عليه أو تقاسمه أو التنافس بشأنه بصورة غير مباشرة، بينما الأرض نادرًا ما تقبل ذلك.

ومن هنا برزت إيران وتركيا بوصفهما دولتين بارعتين في إدارة المنافسة غير المباشرة. ويظهر ذلك بوضوح في سوريا، حيث دعمت طهران وأنقرة أطرافًا متعارضة، وسعت كل منهما إلى أهداف سياسية مختلفة، ووجهت انتقادات حادة لسياسات الأخرى الإقليمية. ومع ذلك، أبدت الدولتان مرارًا قدرة على التفاوض عندما يهدد التصعيد الاستقرار الإقليمي الأوسع. وتكررت أنماط مشابهة في العراق وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى. وبدلًا من اللجوء إلى المواجهة العسكرية المباشرة، تتنافس الدولتان عبر الدبلوماسية، والاستخبارات، والشركاء المحليين، والاستثمارات الاقتصادية، وأدوات الضغط السياسي. وهكذا أصبحت الحروب بالوكالة بديلًا للمواجهة بين الجيوش.

كما أن الاعتبارات الاقتصادية تعزز هذا السلوك. فعلى الرغم من العقوبات والخلافات الدبلوماسية والأزمات الإقليمية، بقيت التجارة بين إيران وتركيا ذات قيمة استراتيجية مهمة للطرفين. فصادرات الطاقة، والتبادل التجاري عبر الحدود، وممرات النقل، والعلاقات المالية كلها تخلق مصالح مشتركة لا ترغب أي من الحكومتين في التفريط بها. وقد شكّلت تركيا في أكثر من مرحلة منفذًا تجاريًا مهمًا لإيران خلال فترات العزلة الدولية، بينما ظلت إيران مصدرًا مهمًا للطاقة بالنسبة إلى الاقتصاد التركي. والحرب، بطبيعة الحال، ستقوّض هذه الروابط فورًا، وتفرض كلفة اقتصادية لا تبدو أي من القيادتين مستعدة لتحملها.

إلى جانب ذلك، لا تشجع البيئة الدولية الأوسع على أي مواجهة عسكرية بين الطرفين. فعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي لا تعني تلقائيًا تدخل الحلف في كل سيناريو، لكنها تغيّر حسابات إيران الاستراتيجية بشكل عميق. إذ إن أي هجوم على تركيا سيُدخل احتمال انخراط قوى غربية في المعادلة، ما يرفع المخاطر على طهران بصورة كبيرة. ولهذا، تميل القيادة الإيرانية إلى تجنب أي مواجهة قد توحّد خصومًا متعددين ضدها. وهذه الضبابية الاستراتيجية بحد ذاتها تمثل عامل ردع قويًا.

لكن ربما يكون العامل الأكثر أهمية، والأقل التقدير أحيانًا، هو أن الحكومتين تشتركان في أولوية عليا واحدة: بقاء النظام. فرغم اختلافهما الأيديولوجي والسياسي، لا ترى أي من القيادتين الأخرى تهديدًا وجوديًا يستدعي الإزالة العسكرية. فإيران تسعى إلى الحفاظ على نظامها الثوري مع توسيع نفوذها الإقليمي، بينما تسعى تركيا إلى الاستقلال الاستراتيجي والقيادة الإقليمية وتعزيز الترابط الاقتصادي عبر مناطق متعددة. وهذه الأهداف كثيرًا ما تتعارض، لكنها لا تستلزم القضاء على الدولة المقابلة. إن الصراع بينهما صراع على المجال والنفوذ، لا على الوجود.

وهذا ما يفسر أيضًا لماذا نادرًا ما تتطور الأزمات بين طهران وأنقرة إلى مراحل التصعيد التي نراها في مناطق أخرى من الشرق الأوسط. فالتوتر السياسي يرتفع، والمنافسة بالوكالة تشتد، والخطاب الدبلوماسي يتصلب، ثم تعود الدولتان تدريجيًا إلى التفاوض والاحتواء. لا تتعامل أي منهما مع التنافس بوصفه مبررًا للحرب الشاملة.

والخلاصة أن إيران وتركيا نجحتا، إلى حد كبير، في بناء تفاهم استراتيجي غير مكتوب. فهما تقبلان التنافس عبر الشرق الأوسط، وتحدي نفوذ بعضهما البعض، ودعم أطراف إقليمية مختلفة. لكنهما تدركان أيضًا أن الحفاظ على التوازن العام أكثر قيمة من محاولة كسره بالقوة. وقد صمد هذا الفهم أمام الثورات والانقلابات والحروب الإقليمية وتبدل التحالفات والتحولات الكبرى في النظام الدولي.

وفي شرق أوسط كثيرًا ما تحكمه الاضطرابات، تمثل العلاقة بين إيران وتركيا نموذجًا نادرًا لخصومة مضبوطة بالاستراتيجية لا بالعاطفة. فالمنافسة بينهما حقيقية ومستمرة وأحيانًا شديدة، لكنها تبقى محكومة بإدراك مشترك أن الحرب المباشرة ستضعف الطرفين معًا، بينما ستستفيد منها قوى أخرى. وهذا، أكثر من أي عامل آخر، هو ما يفسر كيف أصبحت واحدة من أقدم الخصومات في المنطقة أيضًا من أكثرها استقرارًا.