عماد خلاف يكتب: درة تحمل وجع فاطمة في فيلم ”الست لما”
على الممثل أن يجسد الدور، لا أن يمثله، هذه مقولة للمخرج الأمريكي "تايلور هاكفورد"، وهي تختصر واحدا من أهم معايير الحكم علي أداء الممثل، فالمسألة لا تتعلق بقدرته على حفظ الحوار أو التعبير عن الانفعال، وإنما بقدرته على أن يجعل الشخصية تتقدم إلى الشاشة متجاوزة صورته المعروفة لدى الجمهور، ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن قراءة تجربة الفنانة "درة"، التي قطعت خلال السنوات الماضية مسافة واضحة بين حضور النجمة وقدرة الممثلة على البحث عن مساحات جديدة في الأداء.
درة تمتلك منذ بداياتها واحدا من أهم عناصر الجاذبية السينمائية، وهو الحضور أمام الكاميرا، لكنها لم تعتمد عليه وحده، وإنما حاولت تطوير أدواتها والانتقال بين شخصيات مختلفة، خصوصا في الأعمال التي أتاحت لها الاقتراب من مناطق أكثر تعقيدا، واستطاعت كذلك إتقان اللهجة المصرية والتعامل مع نماذج اجتماعية متباينة، من الشخصيات الأرستقراطية إلى الفتاة الشعبية البسيطة، وهو ما ظهر في العديد من الشخصيات التي تقمصتها خلال الفترة الماضية.
وتتميز "درة" بقدرة خاصة على التعبير عن الحزن والانكسار والرومانسية الهادئة، وهي مشاعر تحتاج إلى قدر من الاقتصاد في الأداء، لأن المبالغة فيها قد تفقد الشخصية صدقها، ومع مرور الوقت أصبح واضحا أن هناك تطور في فهمها لأبعاد الشخصيات، خاصة عندما ابتعدت عن القالب الرومانسي التقليدي واتجهت إلى أدوار أكثر تركيبا.
من هنا تكتسب مشاركتها في فيلم "الست لما"، إخراج خالد أبو غريب، وتأليف مصطفي بدوي، وكيرلس أيمن فوزي، ويسرا، وماجد المصري، وياسمين رئيس، ومحمد جمعة، وغيرهم، أهمية خاصة، لأن شخصية "فاطمة" تبدو أكثر احتياجا إلى الممثلة التي تختفي خلف الشخصية، وليس إلى النجمة التي يعرفها الجمهور، وفاطمة فتاة نشأت في ملجأ للأيتام، تحمل حلما بسيطا بأن تصبح أما، لكن الزواج يقود حياتها إلى تجربة قاسية، لتجد نفسها في مواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي الاغتصاب الزوجي وما يتركه من آثار نفسية وإنسانية عميقة.
قوة الدور هنا لا تأتي فقط من طبيعة القضية التي يناقشها الفيلم، وإنما من المساحة الداخلية التي تتيحها الشخصية لـ "درة" كما أن فاطمة ليست مجرد شخصية تحمل قضية، وإنما امرأة لها حلم سابق على المأساة، ولها حياة ومشاعر وخوف وانكسار، ولذلك فإن نجاح درة في الدور يرتبط بقدرتها على تقديم هذه التحولات من الداخل، بعيدا عن الاستعراض الانفعالي.
وتزداد أهمية التجربة مع كون درة تقف أمام يسرا، في عمل يضع أكثر من شخصية نسائية في قلب نقاش اجتماعي حول العلاقة بين الرجل والمرأة والأسرة والزواج. وتجسد يسرا شخصية "دينا الكردي" التي تطلق حملة "فيتو" وتدخل في مواجهة مجتمعية واسعة، بينما تأتي حكاية "فاطمة" لتمنح الفيلم بعد إنساني أكثر خصوصية، لأن القضية العامة هنا تمر من خلال تجربة امرأة عاشت الألم بنفسها.
وهنا يصبح فيلم "الست لما" اختبارا حقيقيا لـ "درة"، ليس لأنها مطالبة بإثبات أنها ممثلة جيدة، فقد قطعت بالفعل شوط طويل في هذا الاتجاه، وإنما لأنها أمام فرصة للتخلص أكثر من الصورة التقليدية التي صاحبت بعض مراحل مسيرتها، فالشخصية القوية ليست بالضرورة الأكثر صخبا، والأداء المؤثر ليس دائما في البكاء أو الانفعال، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي تجعل المشاهد يصدق أن ما يراه أمامه حياة حقيقية.
درة أيضا أعلنت في وقت سابق رغبتها في أن تكون مخرجة، وهي رغبة تكشف عن علاقتها الأوسع بالصورة وبصناعة العمل، وربما يفسر ذلك اهتمامها بالتفاصيل واختياراتها الفنية، لكن التحدي الأهم كممثلة يظل في الاستمرار نحو الأدوار التي تجبرها على المغامرة، وتضعها في مناطق غير مضمونة، وتسمح للشخصية بأن تتغلب على النجمة.
الفنانة درة كعادتها نسيت خلفها تفاصيلها الخاصة، ونجحت فاطمة في فيلم "الست لما"، وهذا من أهم مكاسب التجربة التي خاضتها درة، فمنذ ظهورها في السينما والدراما، استطاعت أن تصنع لنفسها حضور خاص، مستفيدة من ملامحها وقدرتها على التعامل مع الكاميرا، ويبقي رهانها الحقيقي في مواصلة البحث عن أدوار تكسر الصورة التقليدية وتكشف مساحات جديدة من موهبتها، وتأتي شخصية فاطمة في فيلم الست لما، كخطوة مهمة في هذا الطريق، لأنه يمنحها فرصة لتقديم شخصية أكثر عمقا وإنسانية، ويؤكد أن مشوارها الفني لا يزال يحمل الكثير من المساحات التي تستحق الاكتشاف.












