مستقبل الاستثمار في مدينة سفنكس في ظل الأحداث الجارية.. هل تحمي الإدارة الاستثمار أم تصنع بيئة طاردة له؟
تمتلك مدينة سفنكس الجديدة مقومات كبيرة تجعلها واحدة من أهم مناطق الاستثمار في غرب القاهرة، سواء من حيث الموقع أو شبكة الطرق أو التوسع العمراني والاستثماري الذي تشهده المنطقة.
لكن أي مدينة مهما كانت إمكاناتها لا يمكن أن تصبح مركزًا جاذبًا للاستثمار إذا شعر المواطن أو المستثمر أن الإجراءات الإدارية غير مستقرة، وأن التعامل مع أصحاب الحقوق يختلف من حالة إلى أخرى، وأن بعض الموظفين يتجاوزون حدود اختصاصاتهم أو يتعاملون مع الجمهور بصورة لا تليق بحجم المسؤولية.
وهنا يجب أن نكون واضحين:
نحن لا نتحدث عن جميع موظفي جهاز مدينة سفنكس، ولا نعمم الاتهام على الجميع.
ولكن هناك شكاوى ووقائع متداولة من مواطنين ومستثمرين تستوجب الفحص والتحقيق، خاصة عندما تتعلق بإجراءات تمس الأرض والاستثمار ومراكز قانونية قائمة.
عندما يتحول الموظف من منفذ للقانون إلى صاحب قرار
الموظف العام مهمته الأساسية هي تطبيق القانون وتنفيذ الإجراءات.
لكن الخطورة تبدأ عندما يشعر المواطن أن الموظف يستطيع تعطيل ملفه دون سبب واضح، أو رفض إجراء دون سند مكتوب، أو منعه من استكمال مستنداته، أو تأخير معاملته دون بيان سبب قانوني.
والسؤال هنا:
هل أصبحت بعض الملفات رهينة لرأي الموظف؟
إذا كان الطلب مستوفيًا، فلماذا لا يستكمل؟
وإذا كان غير مستوفٍ، لماذا لا يتم إخطار صاحبه رسميًا بأوجه النقص؟
وإذا كان هناك مانع قانوني، لماذا لا يصدر قرار واضح ومسبب يمكن لصاحب الشأن أن يتظلم منه؟
الوضوح هو أساس الإدارة الحديثة.
شكاوى من التعامل مع المستثمرين
من أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مدينة استثمارية أن يشعر المستثمر بأنه غير مرحب به داخل الجهاز الإداري.
المستثمر لا يطلب معاملة استثنائية.
هو يريد فقط:
موظفًا يستمع إليه.
إجراءً واضحًا.
موعدًا محددًا.
سببًا قانونيًا عند الرفض.
وحقًا في التظلم.
أما أن يدخل المستثمر في دائرة من المكاتبات والطلبات والردود غير الواضحة، أو يظل ملفه معلقًا لفترات طويلة دون معرفة السبب، فإن ذلك يؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة.
الأخطر عندما تكون الأرض هي محل الاستثمار
الأمر لا يتعلق هنا بملف رخصة أو معاملة إدارية عادية.
نحن نتحدث عن أراضٍ أقيمت عليها زراعات واستثمارات ومشروعات وبنية أساسية.
وبالتالي فإن أي قرار إداري يتعلق بها يمكن أن يترتب عليه خسائر كبيرة جدًا.
فمنع الرفع المساحي مثلًا قد يعطل ملفًا بالكامل.
وتعطيل إجراءات المعاينة قد يؤخر التقنين.
وتعطيل المرافق قد يؤثر على الزراعة.
وأي إجراء مادي على الأرض قد يؤدي إلى خسائر يصعب تعويضها.
لذلك فإن التعامل مع هذه الملفات يجب أن يكون على أعلى درجات الدقة والمسؤولية.
قانون تقنين أراضي الدولة فرصة لا يجوز إهدارها
يمثل قانون 168 لسنة 2025 فرصة مهمة لإغلاق عدد كبير من الملفات القديمة وتنظيم أوضاع الأراضي وفق منظومة قانونية وإلكترونية حديثة.
لكن نجاح القانون يعتمد على التطبيق.
فلا يمكن أن تكون هناك منصة رسمية لتلقي طلبات التقنين، بينما يواجه المواطن على الأرض إجراءات تعطل استكمال طلبه.
ولا يمكن أن يطلب من المستثمر تقديم الرفع والمستندات، ثم يُمنع من استكمال أعمال الرفع المساحي.
ولا يمكن أن تكون هناك رغبة في إنهاء النزاعات، بينما تستمر الإجراءات التي تزيد من تعقيدها.
القانون يحتاج إلى إدارة تنفذه.. لا إدارة تعطل أهدافه.
من المسؤول عن تصرفات الموظف؟
هنا يجب أن نطرح سؤالًا مهمًا:
إذا ثبت أن موظفًا تجاوز اختصاصه أو أساء استخدام سلطته أو عطل ملفًا دون سند قانوني، فمن المسؤول؟
هل تتم محاسبته؟
وهل توجد آلية فعالة لتلقي شكاوى المستثمرين؟
وهل يتم التحقيق فيها؟
وهل يعرف المواطن نتيجة التحقيق؟
الإدارة الحديثة لا تحمي الموظف المخطئ.
الإدارة الحديثة تحمي الموظف الذي يطبق القانون وتحاسب من يتجاوزه.
المواطن ليس خصمًا للجهاز
وهذه نقطة يجب أن يدركها الجميع.
المواطن الذي يذهب إلى جهاز المدينة ليس خصمًا.
والمستثمر الذي يطالب بتنفيذ عقده ليس خصمًا.
وصاحب طلب التقنين ليس خصمًا.
والمواطن الذي يطلب معرفة سبب رفض معاملته ليس خصمًا.
الجهاز جهة تنفيذية، والمواطن صاحب حق في أن يعرف ما له وما عليه وفق القانون.
مدينة سفنكس أمام اختبار حقيقي
مدينة سفنكس أمام فرصة كبيرة.
لكنها في الوقت نفسه أمام اختبار حقيقي:
هل تستطيع أن تبني مدينة استثمارية حديثة بإدارة حديثة؟
الإدارة الحديثة تعني:
* احترام المواطن.
* احترام المستثمر.
* سرعة إنجاز الملفات.
* منع تضارب القرارات.
* وضوح المسؤوليات.
* إصدار القرارات كتابةً وبأسباب واضحة.
* محاسبة أي موظف يثبت تجاوزه.
* حماية الموظف الذي يطبق القانون.
* احترام الأحكام القضائية.
* عدم تحويل النزاع الإداري إلى صراع على الأرض.
رسالة إلى المسؤولين
نحن لا نريد تعطيل جهاز سفنكس.
ولا نريد إضعافه.
بل نريد جهازًا قويًا بالقانون.
الجهاز القوي ليس الذي يستطيع أن يضع لافتة على الأرض.
الجهاز القوي هو الذي يستطيع أن يشرح للمواطن:
ما هو سند القرار؟
ما هي الإجراءات؟
ما هو حق المواطن؟
وما هو واجبه؟
ثم يطبق القانون على الجميع دون تمييز.
الاستثمار لا يخاف من القانون.
المستثمر الجاد يريد القانون.
لكن المستثمر يخاف من عدم وضوح القانون، وتغير الإجراءات، وتعسف الموظف، وطول النزاع، وغياب الإجابة.
مستقبل سفنكس
سفنكس لديها فرصة حقيقية لتصبح مدينة استثمارية كبرى.
لكن تحقيق هذه الفرصة يحتاج إلى رسالة واضحة:
الدولة تحمي أملاكها.
المستثمر يحترم القانون.
الموظف يطبق القانون.
والمواطن يحصل على حقه في المعرفة والتظلم.
وعندما تستقر هذه المعادلة، ستزداد ثقة المستثمرين في المدينة.
أما استمرار الشكاوى من التعطيل أو سوء التعامل أو تجاوز الاختصاصات، دون تحقيق ومحاسبة عند ثبوتها، فمن شأنه أن يضر بصورة المدينة ويجعل المستثمر يعيد حساباته.
نحن مع سفنكس..
ومع التنمية..
ومع الاستثمار..
لكننا أيضًا مع إدارة تحترم المواطن، وموظف يلتزم بالقانون، وجهاز قوي بعدالته وشفافيته.
لأن مستقبل سفنكس لن يُبنى بالأرض وحدها.. وإنما بالثقة.

