محمد حسن يكتب: القيصر.. وتفاصيله العبقرية
لم يَعد كاظم الساهر المطرب العراقي الكبير، مجرد مطربًا عربيًا عظيمًا مر على متذوقي الفن والموسيقى كغالبية عظماء زمن الفن الجميل، ولم يعد هو ذاك الملحن الخطير الذي لحن اخطر واصعب القصائد التي عرفها الناس عن طريق صوته وألحانه العبقرية وأخرجها من تحت أتربة الكتب الشعرية والرومانسية المصفوفة على أرفف المكتبات الشعرية الكبيرة لهواة القراءة فقط، وجعلها تجري على ألسنة الأطفال قبل العامة من الناس، ولكنه أصبح الآن شاعرًا وكاتبًا غنائيًا وصل إلى حد العبقرية في كتاباتِهِ جعلته منافسًا قويًا وشرسًا لأقوى الشعراء العرب أمثال نزار قبانى، كريم العراقي، أسعد الغريري، يحيى العلاق وغيرهم ممن آثروا المكتبة الشعرية العربية والعراقية بأروع القصائد والأغاني الرومانسية.
ففي ألبوم القيصر الغنائي الأخير الذي لم يصدر منه حتى الآن سوى 6 أغاني فقط، استطاع الساهر أن يُشبع أحاسيس مُورديه بأغنيات عظيمة أغلبها من كلماته وألحانه وأكيد بحنجرته الذهبية، ولكن دعونا نتوقف عند قصيدة " أتت " التي لحنها وكتبها وشدى بها أبو وسام، فبمجرد الاستماع إلى مقدمتها يأتي في ذهنك أنها من المؤكد كلمات أحد العباقرة الذين كتبوا له أعظم القصائد في الوطن العربي كـ نزار قباني أو كريم العراقي، فهذا هو أسلوبَهم الفريد والذي من المستحيل تقليده أو مقارنته بأي أسلوب شعري في زمننا هذا، من سجع أو قافية من ناحية، وخيال وكلمات مبتكرة من ناحية أخرى.
ولكننا تفاجأنا بمجرد الانتهاء من الاستماع لها أنها كلماته هو شخصيًا، ما جعلنا في حالة اندهاش " طبيعي" وغير مستبعد عن ذلك المطرب المتكامل فنيًا، ولكننا أصبح لدينا جميعا كعاشقين لفنه يقينًا تامًا أن القيصر لم يبق في حاجة إلى شعراء كما هو الحال بالنسبة للملحنين، والاندهاش هنا في أنه كيف لمطرب أن يغرق في تفاصيل كلمات قصيدته ليحاول إيصالها إلى جمهوره كما أحسها أن يغرق أيضا في لحنها وكلماتها بهذا القدر من الاحترافية والتميز والانفراد.
فهنا نحن أمام ثلاث أشخاص استطاع الساهر أن يكونهم بداخله ليبدع كل واحد فيهم كأنه العمل الأول له في حياته ويحاول إثبات جدارته وموهبته للجمهور.
كما أن الملحن كاظم الساهر في هذه القصيدة، أثبت للمرة الألف بعد المليون أنه مُلحِنًا من عالمٍ آخر، يستطيع أن يحول أصعب الكلمات إلى أغنية بسيطة يتغنى بها الناس بكل سهولة، فاستطاع " الساحر " التنقل بين المقامات كأنه ينبوع مياه يجرى بسلاسة وعند انتهاء الكوبليه وتخشى أن تكون القصيدة قد انتهت فتفاجأ بأن الينبوع مازالت مياهه تتدفق ولكن بمنحنيات حتى تخرج بقوة وشراسة من آخره.
إن التكامل الفني الفريد في هذا العملاق السامرائي هو إثبات ودليل حيّ على أن اختياره ضمن لجنة تحكيم جوائز "غرامي" العالمية "وهي بمثابة أوسكار في الغناء" ليس بمحض صُدفةٍ او مُجاملةٍ لأول عربي وإفريقي يدخل جدران هذه المؤسسة العريقة.
فيا ساهر، نحن بانتظار باقي الألبوم الذي أسميته " بلاعنوان " لأن فخامة اسم القيصر تكفي، على أحرّ من الجمر، وما يزيد شوقنا وانتظارنا هو أنه سيضُم 18 أغنية مابين عراقية وقصائد فصحى، ما يعني أننا سنبقى في حضرة 12 أغنية أخرى بصوت فارس الأغنية العربية وآخر جيل المطربين العظماء.

