الأحزاب بين الوعي السياسي والدور الاقتصادي الوطني
حين يواجه المواطن تحديات تتعلق بفرصة عمل، أو ارتفاع تكاليف المعيشة، أو مستقبل أبنائه، فإنه لا ينظر إلى السياسة باعتبارها مجرد خطب وشعارات، وإنما يبحث عن مؤسسات قادرة على فهم واقعه والمساهمة في تقديم حلول حقيقية.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يكفي أن تكون الأحزاب حاضرة في المشهد السياسي، بينما يغيب حضورها عن المشهد الاجتماعي والاقتصادي؟
الحقيقة أن السياسة، في جوهرها، ليست منفصلة عن حياة الناس.
فالقرار الاقتصادي سياسة، وفرصة العمل قضية سياسية، والتعليم والصحة والإنتاج والاستثمار والحماية الاجتماعية كلها ملفات تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد والمجتمع.
ولهذا فإن تطوير الدور الحزبي لا ينبغي أن يعني التخلي عن الوظيفة السياسية، وإنما توسيع مفهومها؛ بحيث لا يبقى الحزب مجرد طرف في المنافسة السياسية، بل يتحول إلى مساحة لإنتاج الأفكار، وتدريب الكوادر، وبناء الوعي، والمساهمة في طرح الحلول.
تحتاج الأحزاب إلى النظر إلى كوادرها باعتبارها ثروة وطنية يمكن توظيفها في خدمة المجتمع، لا مجرد أدوات للحضور السياسي.
فيمكن للأحزاب، وفق الأطر القانونية والمؤسسية المنظمة للعمل العام، أن تسهم في دعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة من خلال التدريب والتأهيل ونقل الخبرات، وتطوير مبادرات تساعد الشباب على اكتساب المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن تفتح مساحات للتعاون مع المتخصصين وأصحاب الخبرات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
كما يمكن للكوادر الاقتصادية والفنية داخل الأحزاب أن تقدم دراسات وأفكارًا قابلة للنقاش حول الإنتاج والاستثمار والتشغيل، بدلًا من أن يظل الخطاب الاقتصادي حبيس الشعارات العامة.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الحزب: ليس في عدد البيانات التي يصدرها، وإنما في عدد الأفكار التي يستطيع تحويلها إلى نقاش مجتمعي جاد.
أما الكوادر النيابية، فمسؤوليتها لا تتوقف عند ممارسة الدور الرقابي والتشريعي، وإنما تمتد إلى طرح رؤى تستند إلى المعرفة والخبرة عند مناقشة القوانين والسياسات ذات الصلة بالاقتصاد والاستثمار والعمل والإنتاج.
لابد ان يدرك الساسه أن المواطن اليوم يختلف عن السابق فهو يستطيع الوصول إلى آلاف الآراء والمعلومات خلال دقائق، ولم تعد المعلومة وحدها هي ما يبحث عنه ، لمته يريد تفسيرًا لما يحدث، ويريد أن يعرف كيف يمكن أن ينعكس القرار الاقتصادي على حياته، وما البدائل المطروحة، وكيف يمكن للشباب أن يطوروا قدراتهم، وأين يمكن أن تتحول المعرفة إلى فرصة.
وهنا ينبغي أن تتغير لغة الأحزاب أيضًا...فبدلًا من أن يقال للشباب إن المستقبل يحتاج إلى طموح، يجب أن يُطرح سؤال عملياَ اكثر : ما المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل؟ وكيف يمكن اكتسابها؟
وبدلًا من الحديث المتكرر عن دعم المشروعات الصغيرة، ينبغي أن يبدأ النقاش من أسئلة أكثر تحديدًا: ما العقبات التي تواجه أصحاب هذه المشروعات؟ وما الذي يمكن للأطر السياسية والمجتمعية أن تقدمه في حدود القانون والإمكانات؟
فالسياسة التي لا تلامس الواقع اليومي للمواطن تخاطر بأن تتحول إلى خطاب منفصل عن المجتمع، مهما كانت قوة عباراتها.
الاقتصاد ليس ملفًا حكوميًا فقط
لا يعني الحديث عن الدور الاقتصادي للأحزاب أن تحل الأحزاب محل الدولة، أو أن تتحول إلى مؤسسات اقتصادية، وإنما يعني أن تتحمل مسؤوليتها في المجال الذي تستطيع أن تعمل فيه: إنتاج الأفكار، وبناء الوعي، وتأهيل الكوادر، وتشجيع المشاركة المجتمعية، والمساهمة في الحوار حول السياسات العامة.
فالتنمية مسؤولية مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطن، وكل طرف له دوره وفق حدوده وأدواته ، ومن ثم فيمكن للحزب أن يكون حلقة وصل بين المواطن وصانع القرار؛ ينقل المشكلات بصورة أكثر تنظيمًا، ويستمع إلى الخبراء، ويجمع المقترحات، ويطرح البدائل، ويفتح النقاش العام حول القضايا التي تمس حياة الناس.
وهذا هو الفارق بين حزب يكتفي بأن يكون صوتًا في المشهد، وحزب يحاول أن يكون جزءًا من صناعة الحلول.
إعادة تعريف معنى العمل السياسي
ربما تحتاج الأحزاب المصرية اليوم إلى إعادة طرح سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في دلالته:
ما الذي يعنيه أن تكون سياسيًا في مجتمع يحتاج إلى العمل والمعرفة والإنتاج بقدر حاجته إلى الخطاب السياسي؟
الإجابة لا يمكن أن تكون واحدة، لكنها تبدأ من إدراك أن السياسة ليست غاية مستقلة عن المجتمع.
فالسياسة التي لا تنتج وعيًا، تفقد جانبًا من قيمتها. والسياسة التي لا تستمع إلى المجتمع، تفقد جزءًا من قدرتها على التعبير عنه. والسياسة التي لا تفتح المجال أمام الكفاءات والشباب والأفكار الجديدة، قد تجد نفسها تدور في الدائرة ذاتها.
ومن هنا، فإن الحزب الحديث ليس مجرد ماكينة انتخابية، ولا منصة لإصدار البيانات، وإنما يمكن أن يكون مدرسة للوعي العام، ومختبرًا للأفكار، ومساحة لتدريب الكوادر، ومنبرًا للنقاش حول مستقبل الاقتصاد والمجتمع.
من يملك الإجابة؟
في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى حزب يعده بأن كل شيء سيكون أفضل، بقدر ما يحتاج إلى حزب يستطيع أن يشرح له لماذا تحدث الأشياء، وما الخيارات المتاحة، وكيف يمكن أن يكون جزءًا من الحل.
وهنا يصبح معيار الحضور الحزبي أوسع من عدد المؤتمرات أو البيانات أو الظهور الإعلامي.
المعيار الحقيقي هو ما يتركه الحزب في المجتمع من وعي، ومعرفة، وكفاءة، ومبادرات، وأفكار قابلة للنقاش والعمل.
فربما آن الأوان لأن تنتقل الأحزاب من سؤال «كيف نحضر في المشهد؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «ماذا نضيف إلى هذا المشهد؟»
لأن السياسة، في النهاية، ليست مجرد حديث عن السلطة، بل حديث عن الإنسان الذي يعيش نتائج القرارات.
وحين يصبح المواطن هو نقطة البداية، يصبح الاقتصاد جزءًا من السياسة، ويصبح الوعي جزءًا من التنمية، وتصبح خدمة المجتمع أحد المعايير التي يُقاس بها الحضور السياسي.
فالسياسة التي تنتهي عند المنصة قد تصنع خطابًا، أما السياسة التي تصل إلى حياة الناس فتترك أثرًا. وبين الخطاب والأثر، تتحدد قيمة الدور الذي تستطيع الأحزاب أن تؤديه في مستقبل المجتمع....والحديث بقية .
وللأفكار ثمرات مادام في العقل كلمات وفي القلب نبضات مادام في العمر لحظات
علاءالدماصي
مستشار إعلامي ومحاضر وباحث أكاديمي
[email protected]

