ملامح التحول في الاقتصاد السعودي: كيف يقرأها المستثمر
يتابع كثيرون اخبار اقتصاد السعودية بحثاً عن مؤشرات تكشف اتجاه المملكة نحو تنويع مصادر دخلها وبناء قاعدة اقتصادية أوسع من النفط. فزيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، ولقاؤه الرئيس إيمانويل ماكرون في باريس، تقدّم لمحة واضحة عن الاتجاه الذي تسير فيه السياسة الاقتصادية السعودية، إذ تصدّرت التجارة والاستثمار والطاقة والدفاع أجندة التعاون بين البلدين. ومن خلال هذه الزيارة يمكن قراءة ملامح عملية تحول أعمق، تشمل قطاعات جديدة وبيئة تشريعية أكثر انفتاحاً ومشروعات كبرى تعيد تشكيل خريطة الفرص أمام رؤوس الأموال.
تنويع مصادر الدخل كخط عمل رئيسي
تعمل المملكة، وفق ما ورد في مباحثات الزيارة، على تطوير قطاعات اقتصادية جديدة وتوسيع قاعدتها الصناعية، إلى جانب قطاعات أخرى على رأسها السياحة والثقافة، بالتوازي مع زيادة الاستثمارات في التكنولوجيا ورأس المال البشري، وتهيئة بيئة أكثر جذباً لرؤوس الأموال. هذا التوجه ينسجم مع مستهدفات “رؤية السعودية 2030”، التي يسعى الجانبان السعودي والفرنسي إلى تقاطعها مع برنامج “فرنسا 2030”. بالنسبة للمستثمر، فإن هذا التوسع في القطاعات غير النفطية يعني تعدد نقاط الدخول المحتملة إلى الاقتصاد السعودي، بدلاً من الاعتماد على قطاع واحد كما كان سائداً في عقود سابقة.
بيئة الاستثمار والتشريعات
من الإشارات اللافتة في هذا السياق أن صندوق الاستثمارات العامة أعلن عزمه افتتاح مكتب في باريس، وهي خطوة تعكس رغبة الجهات السعودية في تسهيل الوصول إلى الأسواق الدولية وجذب رؤوس أموال جديدة، وليس فقط تصدير الاستثمار السعودي إلى الخارج. وفي المقابل، تتيح وتيرة التحول الاقتصادي في السعودية للشركات الأجنبية، ومنها الفرنسية، فرصة لترسيخ حضورها في أكبر اقتصاد عربي، بما يدفع العلاقة تدريجياً من التبادل التجاري والاستثماري التقليدي نحو شراكة ترتكز على الاستثمار طويل الأجل، وتوطين الصناعة والتكنولوجيا، ونقل المعرفة، وبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة. وتعكس دراسة “مركز الخليج للأبحاث” التي أعدها عبد العزيز بن صقر تسارع هذا المسار بأرقام ملموسة: بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 12 مليار دولار في 2025، فيما ارتفعت الاستثمارات الفرنسية في المملكة من 7 إلى 19 مليار ريال، لتقترب من ثلاثة أمثال مستواها السابق. كما استقطب “المنتدى السعودي الفرنسي للاستثمار”، الذي استضافته الرياض في ديسمبر 2024، أكثر من 800 مشارك، وشهد إبرام عقود واتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجموعة من القطاعات.
من النفط إلى قطاعات الطاقة المتجددة
يمثل قطاع الطاقة نموذجاً واضحاً على تحول الاقتصاد السعودي من نمط الاعتماد الأحادي إلى التنوع. فبينما لا يزال التعاون بين “أرامكو السعودية” و”توتال إنرجيز”، ولا سيما عبر مصفاة “ساتورب”، مثالاً على الشراكات طويلة الأجل في النفط والتكرير والبتروكيماويات، فإن أجندة التعاون لم تعد تقتصر على هذه المجالات، إذ تتسع لتشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين وتخزين الطاقة وشبكات الكهرباء والمعادن الحيوية واحتجاز الكربون. هذا الاتساع يعكس سعي المملكة إلى بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً، وهو ما يفتح أمام المستثمرين آفاقاً في مجالات لم تكن جزءاً تقليدياً من الاقتصاد السعودي.
دور المشاريع الكبرى في جذب رؤوس الأموال
تبرز المشروعات الكبرى بوصفها أداة رئيسية لترجمة التحول الاقتصادي إلى فرص عملية. فمن المقرر أن تتناول المحادثات بين الرياض وباريس مشاركة فرنسا في “إكسبو 2030” الذي تستضيفه الرياض، وفرص الشركات والخبرات الفرنسية في المشروعات المرتبطة بالمعرض والمشروعات الكبرى الأخرى في المملكة. كذلك يبرز مشروع “العلا” كنموذج ملموس لشراكة اقتصادية وثقافية، إذ امتد التعاون منذ الاتفاق الحكومي المبرم في 2018 وإنشاء “الوكالة الفرنسية لتطوير العلا” إلى التخطيط الحضري والهندسة المعمارية والبيئة والفنون والثقافة والسياحة التراثية والتعليم والتدريب. ويضاف إلى ذلك توجه المملكة نحو توطين الصناعات العسكرية في إطار “رؤية 2030”، وهو ما يغيّر طبيعة التعاون تدريجياً من علاقة قائمة على المورد والمشتري إلى نموذج أوسع يشمل نقل المعرفة والتدريب والبحث والتطوير والإنتاج المشترك.
كيف تنعكس هذه الملامح على قراءة المستثمر
يمكن تلخيص أبرز الاتجاهات التي يستدل منها المستثمر على مسار التحول الاقتصادي في السعودية على النحو التالي:
|
الاتجاه |
ما يعكسه |
|---|---|
|
توسع القطاعات غير النفطية |
السياحة والثقافة والتكنولوجيا كمحركات جديدة للنمو |
|
تنويع منظومة الطاقة |
امتداد الأنشطة من النفط إلى الهيدروجين والطاقة المتجددة والمعادن الحيوية |
|
الانفتاح المؤسسي |
إنشاء أطر مثل “مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي” وفتح مكاتب دولية لصندوق الاستثمارات العامة |
|
المشروعات الكبرى |
إكسبو 2030 والعلا كمنصات لجذب الشركاء والخبرات الدولية |
|
توطين الصناعة والمعرفة |
الانتقال من علاقة المورد والمشتري إلى الإنتاج والبحث المشترك |
هذه العناصر مجتمعة تشكل صورة عن اقتصاد يعيد ترتيب أولوياته بشكل تدريجي، عبر أطر مؤسسية ومشروعات محددة، لا عبر إعلانات عامة فحسب.
في الختام، تكشف هذه الملامح أن التحول الاقتصادي في السعودية يسير عبر مسارات متعددة ومتشابكة، من الطاقة إلى الثقافة ومن الصناعة إلى التكنولوجيا. فهل يكفي رصد هذه الاتجاهات العامة لفهم مسار الاقتصاد السعودي، أم أن الأمر يستدعي متابعة أدق لكل قطاع على حدة؟

