العلمين على موعد مع إفريقيا.. حين تتحول القمة إلى رسالة سياسية واقتصادية.. بقلم: د. رحاب غزالة
ليست كل القمم مجرد لقاءات بروتوكولية تجمع قادة ومسؤولين، فبعضها يأتي في توقيت يجعل من المكان والزمان والملفات المطروحة جزءًا من الرسالة نفسها. وفي مطلع أكتوبر، تتجه أنظار القارة الإفريقية إلى مدينة العلمين الجديدة، التي تستضيف مصر فيها، خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، عددًا من الفعاليات الإفريقية رفيعة المستوى، في مقدمتها الاجتماع التنسيقي نصف السنوي الثامن للاتحاد الإفريقي.
واللافت أن الحدث لا يأتي في صورة قمة سياسية منفردة، وإنما ضمن مشهد أوسع يجمع السياسة والاقتصاد والتنمية؛ إذ يتزامن مع منتدى العلمين الإفريقي للأعمال، وقمة رؤساء الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية «أودا-نيباد»، بما يفتح مساحة للنقاش حول الاستثمار والتكامل الاقتصادي وتمويل المشروعات العابرة للحدود.
العلمين.. من مدينة ساحلية إلى منصة إفريقية
اختيار العلمين لاستضافة هذه الاجتماعات يحمل بُعدًا يتجاوز الموقع الجغرافي. فالمدينة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز المدن الجديدة على الساحل الشمالي، تتحول مؤقتًا إلى نقطة تجمع لقيادات ومؤسسات ودوائر اقتصادية إفريقية ودولية.
وتكتسب الاستضافة أهمية إضافية بالنسبة لمصر؛ إذ تشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن قمة العلمين ستكون أول قمة إفريقية تستضيفها مصر منذ عام 2008. كما يؤكد الاتحاد الإفريقي أن الاجتماع التنسيقي سيُعقد في العلمين يوم 4 أكتوبر.
وهنا تظهر أهمية الحدث باعتباره فرصة لطرح سؤال أوسع: كيف يمكن تحويل الحضور السياسي الإفريقي إلى تعاون عملي ومشروعات ومصالح اقتصادية مشتركة؟
من السياسة إلى الاقتصاد
ربما يكون هذا هو العنوان الأبرز لفعاليات العلمين. فمنتدى الأعمال الإفريقي، المقرر عقده يومي 2 و3 أكتوبر، يستهدف جمع ممثلي القطاع الخاص والمؤسسات المالية وقطاعات إنتاجية وخدمية مختلفة، بهدف تعزيز الروابط بين الشركات والأسواق ودعم الشراكات العابرة للحدود.
وهذا التحول من مجرد الحوار السياسي إلى البحث عن أدوات اقتصادية للتكامل يعكس أحد التحديات الرئيسية أمام القارة: فالإرادة السياسية وحدها لا تكفي لبناء سوق إفريقية أكثر ترابطًا، ما لم يصاحبها استثمار وتمويل وبنية تحتية وتسهيل لحركة التجارة.
ومن هنا تأتي أهمية حضور المؤسسات المالية والقطاع الخاص إلى جانب المسؤولين السياسيين، لأن نتائج القمم لا تُقاس فقط بما يصدر عنها من بيانات، وإنما أيضًا بما يمكن أن يتحول بعد انتهائها إلى مشروعات واتفاقات وشراكات قابلة للتنفيذ.
ملفات القارة.. أكثر من الاقتصاد
ورغم الحضور الاقتصادي الواضح، فإن الأجندة الإفريقية تحمل بطبيعتها ملفات سياسية وأمنية وتنموية متشابكة.
فالاجتماعات الإفريقية الأخيرة تناولت ملفات مثل التكامل القاري، وتنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، والبنية التحتية، ومنع النزاعات، إضافة إلى قضايا المياه والصرف الصحي والتنمية.
كما أن الاتصالات المصرية الإفريقية الأخيرة شملت تطورات السودان والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل وليبيا، إلى جانب قضايا التعاون الاقتصادي والأمن المائي.
وهكذا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد قمة تستضيفها مدينة مصرية؛ فالقارة تواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالأمن والاستقرار والتنمية، وتبحث عن آليات أكثر فاعلية للتنسيق بين دولها وتجمعاتها الإقليمية.
مصر وإفريقيا.. اختبار جديد للدور الإقليمي
بالنسبة إلى القاهرة، تأتي استضافة هذه الاجتماعات في سياق اهتمام معلن بتعزيز حضورها داخل المؤسسات الإفريقية ودعم العمل الإفريقي المشترك.
وفي سبتمبر الماضي، ناقش وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع العاملين المصريين داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي سبل تعزيز الحضور المصري داخل مؤسسات الاتحاد والاستفادة من الكفاءات المصرية الموجودة بها.
كما أعلنت وزارة الخارجية المصرية، في 27 سبتمبر، أن الاستعدادات النهائية تجري لاستضافة الفعاليات الثلاث في العلمين، مع التركيز على دعم التكامل الاقتصادي والتنمية وحشد الموارد والشراكات اللازمة لتنفيذ الأولويات القارية.
السؤال الأهم: ماذا بعد القمة؟
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الحدث بالنسبة للمتابع العادي قبل السياسي أو الاقتصادي.
فالقمة ستنتهي، وستغادر الوفود، وستعود البيانات إلى صفحات الأرشيف، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك: هل تتحول النقاشات إلى مشروعات؟ وهل تتحول الشراكات المعلنة إلى حركة تجارة واستثمار فعلية؟ وهل تستطيع الدول الإفريقية ترجمة فكرة التكامل القاري إلى مصالح يشعر بها المواطن؟
تلك الأسئلة هي التي ستحدد، في النهاية، قيمة أي اجتماع إفريقي، بعيدًا عن الصور الرسمية ومراسم الاستقبال.
العلمين إذن ليست فقط مسرحًا لحدث سياسي كبير؛ إنها مساحة لاختبار فكرة أكبر: هل تستطيع إفريقيا أن تنتقل من الحديث عن التكامل إلى صناعة أدواته؟
ومع اقتراب موعد الاجتماعات، تبدو الأنظار متجهة إلى ما ستخرج به القمة، ليس فقط من بيانات ومواقف، وإنما من خطوات عملية يمكن أن ترسم مسارًا جديدًا للتعاون الإفريقي خلال المرحلة المقبلة.













