أحمد صلاح يكتب: رسالة إلى وزير العمل
السيد وزير العمل، إن تطوير منظومة العمل ورفع كفاءة العنصر البشري هدفان أساسيان لتحقيق التنمية، لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يتحقق التطوير على حساب حقوق فئة من العاملين أمضوا سنوات طويلة في خدمة مهنة السلامة والصحة المهنية، واكتسبوا خبراتهم من واقع العمل داخل المصانع والمنشآت الصناعية؟
إن القرار الوزاري رقم 249 لسنة 2026، المتعلق بضوابط تشكيل الأجهزة الوظيفية ومسارات التأهيل والتصنيف المهني لممارسي السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل، يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول مستقبل العاملين الحاليين في هذا المجال، وبصفة خاصة أخصائيي ومشرفي السلامة من أصحاب المؤهلات العليا الادبيه والمؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة ممن يمتلكون خبرات عملية طويلة، وقد يجدون أنفسهم أمام اشتراطات جديدة تؤثر على فرص استمرارهم في وظائفهم أو انتقالهم إلى درجات مهنية أعلى.
لسنا أمام قضية تتعلق بمسميات وظيفية أو شهادات تدريبية فحسب، بل أمام مستقبل مهني وأسر تعتمد في معيشتها على دخول هؤلاء العاملين. فهناك من قضى سنوات طويلة في متابعة اشتراطات السلامة داخل المصانع، والتعامل مع مخاطر التشغيل والمعدات والمواد الخام، وتنفيذ إجراءات الوقاية، والمشاركة في حماية الأرواح والممتلكات. وهؤلاء اكتسبوا خبراتهم بالممارسة والتدريب والتعامل اليومي مع تحديات حقيقية داخل بيئة العمل.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق إجابة واضحة من وزارة العمل هو: ماذا سيكون مصير هؤلاء العاملين إذا أصبحت بعض الاشتراطات الجديدة عائقًا أمام استمرارهم في وظائفهم، أو إذا تعذر عليهم استيفاء متطلبات التأهيل المطلوبة في المدد المحددة؟
لا أحد يعترض على تطوير مهنة السلامة والصحة المهنية، ولا على أهمية رفع مستوى التأهيل العلمي والفني للعاملين بها، فهذه المهنة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحياة الإنسان، وتتطلب كفاءة حقيقية وقدرة على التعامل مع المخاطر. لكن التطوير لا ينبغي أن يتحول إلى باب لإقصاء أصحاب الخبرات، أو أن يؤدي تطبيق معايير جديدة إلى تجاهل أوضاع العاملين الذين التحقوا بالمهنة وفقًا لمتطلبات سابقة، وأمضوا سنوات في أدائها بكفاءة.
والأخطر من مجرد تقييد فرص الترقي هو احتمال أن يجد بعض هؤلاء العاملين أنفسهم خارج سوق العمل، إذا قررت المؤسسات التي يعملون بها الاستغناء عنهم لعدم استيفائهم الاشتراطات الجديدة.
وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد تعديل في قواعد التأهيل والتصنيف المهني؛ إذ قد تتحول إلى أزمة اجتماعية ومعيشية لأسر بأكملها. فهل وضعت الوزارة تصورًا واضحًا لمصير العمالة الحالية التي قد تتأثر بهذه الاشتراطات؟ وهل توجد ضمانات كافية تمنع أن يصبح العامل الذي أمضى سنوات في خدمة مؤسسته عرضة لفقدان وظيفته بسبب متطلبات مستحدثة لم تتح له فرصة عادلة لتوفيق أوضاعه وفقًا لها؟
إن أي تنظيم مهني جديد يجب أن يراعي الفارق بين العامل الذي يبدأ حياته المهنية، والعامل الذي يمتلك خبرة طويلة وسجلًا من الممارسة الفعلية. فليس من المنطقي التعامل مع الجميع باعتبارهم في نقطة البداية نفسها، أو تجاهل الخبرات المتراكمة لمجرد اختلاف المؤهل الدراسي عن المسار المطلوب حديثًا.
كما أن المؤسسات نفسها قد تجد صعوبة في التعامل مع هذه المتطلبات إذا لم تتوافر مسارات واضحة لتوفيق أوضاع العاملين الحاليين. وقد تلجأ بعض المنشآت، في محاولة للالتزام بالاشتراطات، إلى استبدال موظفين ذوي خبرة عملية طويلة بآخرين يستوفون المتطلبات الشكلية، دون أن يمتلكوا بالضرورة القدر نفسه من الخبرة الميدانية. وإذا حدث ذلك، فإن سوق العمل قد يخسر خبرات تراكمية مهمة، بينما يتحمل العامل وأسرته التكلفة الأكبر لهذا التغيير.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المؤهل العلمي أو التدريب المتخصص؛ فكل منهما عنصر مهم في بناء منظومة مهنية قوية. لكن المطلوب هو تحقيق التكامل بين التأهيل العلمي والخبرة العملية، ووضع آليات موضوعية لتقييم الكفاءة، تسمح بالاعتداد بالخبرات الموثقة والشهادات المهنية المعتمدة، وتمنح العاملين الحاليين فرصة حقيقية لاستكمال ما يحتاجون إليه من تدريب وتأهيل.
السيد وزير العمل، إن حماية العامل لا تقتصر على حمايته من المخاطر داخل المصنع أو موقع العمل، بل تمتد أيضًا إلى حماية استقراره الوظيفي من الآثار غير المنصفة للتغييرات التنظيمية. فالعامل الذي أفنى سنوات في أداء مهامه، والتزم بمتطلبات مؤسسته، واكتسب خبرات عملية في مجال يرتبط بسلامة زملائه، يستحق أن يجد من يراعي وضعه المهني عند تطوير القواعد المنظمة للمهنة.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إلغاء معايير التأهيل أو تعطيل التطوير، وإنما مراجعة الآثار المحتملة للاشتراطات الجديدة على العاملين الحاليين، ووضع حلول عملية تمنع تحولها إلى سبب في فقدان الوظائف أو تراجع فرص الاستمرار والترقي.
ونأمل أن تتضمن هذه الحلول إقرار فترة انتقالية مناسبة لتوفيق الأوضاع، وإتاحة برامج تأهيل وتدريب بأسعار ومواعيد ملائمة، والاعتداد بالخبرة العملية الموثقة عند تقييم الكفاءة، ووضع قواعد واضحة للتعامل مع العاملين الذين لا تتوافق مؤهلاتهم الحالية مع الاشتراطات الجديدة، مع ضمان عدم الإضرار غير المبرر بمراكزهم الوظيفية.
كما نطالب بأن يكون هناك موقف واضح من مصير العمالة الحالية التي قد تستغني عنها المؤسسات بسبب هذه الاشتراطات. فمن غير الكافي أن نطالب المنشآت بالالتزام بمعايير جديدة دون أن يكون هناك تصور عادل لمستقبل العاملين المتأثرين بها. وينبغي بحث آليات انتقالية تحمي فرصهم في الاستمرار، وتساعدهم على استكمال التأهيل، وتمنع أن يتحملوا وحدهم تبعات تغيير القواعد المهنية.
إن الاستغناء عن عامل يمتلك سنوات طويلة من الخبرة لا ينبغي أن يكون الحل الأول أمام أي مؤسسة تسعى إلى توفيق أوضاعها. والأولى هو إتاحة الفرصة أمامه للتدريب واستكمال متطلبات التأهيل، وتقييم قدراته بصورة موضوعية، والاستفادة من خبرته في إطار القواعد الجديدة، ما دام قادرًا على أداء مهامه بكفاءة وفقًا للمعايير المهنية المطلوبة.
كما أن الحوار مع ممثلي العاملين والخبراء وأصحاب المنشآت الصناعية أصبح ضرورة للوصول إلى حلول متوازنة، تحقق الهدف من تنظيم المهنة، وتحافظ في الوقت نفسه على الخبرات القائمة، وتمنح العاملين شعورًا بالأمان والعدالة بدلًا من القلق على مستقبلهم الوظيفي.
إن نجاح أي قرار تنظيمي لا يقاس فقط بمدى قدرته على وضع شروط جديدة، وإنما بقدرته على تحقيق أهدافه دون خلق مشكلات اجتماعية ووظيفية كان من الممكن تجنبها. والتطوير الحقيقي هو الذي يرفع كفاءة العامل، ويمنحه فرصة للتعلم والتقدم، ويحافظ على الخبرات التي يحتاج إليها سوق العمل.
السيد وزير العمل، إن وراء كل وظيفة أسرة، ووراء كل عامل سنوات من الجهد والخبرة والالتزام. فلا يجوز أن يجد العامل نفسه مهددًا بفقدان مصدر رزقه لمجرد أن قواعد التأهيل تغيرت، دون أن تتاح له فرصة عادلة للتكيف معها.
إننا نطالب بمراجعة منصفة تضع مستقبل العاملين الحاليين في صدارة الاهتمام، وتضمن ألا يتحول القرار الوزاري رقم 249 لسنة 2026، رغم أهدافه التنظيمية، إلى سبب في إقصاء أصحاب الخبرات أو دفع المؤسسات إلى الاستغناء عنهم بسبب عدم استيفاء اشتراطات جديدة.
فالعدالة لا تعني رفض التطوير، بل تعني أن يكون التطوير منصفًا، وأن تتاح للجميع فرصة حقيقية للاستفادة منه. والتأهيل لا ينبغي أن يكون بوابة مغلقة أمام أصحاب الخبرات، بل طريقًا لاستكمال قدراتهم وتحسين أدائهم.
رسالتنا إلى وزير العمل واضحة: طوّروا المهنة، وارفعوا كفاءتها، وشددوا على معايير السلامة، لكن لا تتركوا العمالة الحالية تواجه مصيرًا مجهولًا، ولا تجعلوا فقدان الوظيفة ثمنًا لتغيير الاشتراطات المهنية.
فحماية بيئة العمل مسؤولية، وحماية حقوق العاملين مسؤولية لا تقل أهمية، ولا يجوز أن يتحقق أحد الهدفين على حساب الآخر.

