الطريق
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 03:16 مـ 9 جمادى أول 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس محكمة استئناف القاهرة يكرّم القامات القضائية ويخلّد ذكرى الراحلين النائب محمد الجندي: رسائل السيسي في منتدى مصر 2026 تضع الحقائق أمام المصريين عقب حضور جلسة مصر الرقمية بمنتدى مصر النائبة رانيا الشيمي: توجه الدولة نحو التحول الرقمي يعكس رؤية واضحة لبناء مجتمع رقمي متكامل علاء مكادي: مخرجات منتدى مصر 2026 بشأن استكمال «حياة كريمة» بحلول 2030 يدعم تحسين مستوى المعيشة بقرى المنيا النائب إيهاب وهبة: منتدى مصر 2026 محطة مهمة في مسار الحوار الوطني حول مستقبل التنمية في مصر وتحديد الأولويات خلال المرحلة المقبلة برلمانية المؤتمر بالشيوخ : منتدى مصر 2026 يسلط الضوء على تطوير الحماية الاجتماعية ودعم محدودي الدخل والطبقة المتوسطة بعد واقعة الاحتكاك بصحفي.. إنهاء التعاقد مع شركة الأمن بمستشفى 6 أكتوبر المركزي النائب محمد البدري: «منتدى مصر 2026» منصة للحوار الوطني وتحديد أولويات التنمية.. ومناقشة الملفات الاقتصادية والخدمية خطوة نحو حلول قابلة للتنفيذ مفتي الجمهورية يهنئ الشيخ أيمن عبد الغني بتجديد تكليفه للقيام بأعمال وكيل الأزهر الشريف عاجل| قرارات جديدة من النيابة حول انهيار عقار أبو سليمان بالإسكندرية الحق مشوارك.. أين توجد السيولة والكثافات بالقاهرة والجيزة اليوم الأربعاء؟ قبل النزول للسوق.. أسعار اللحوم والدواجن والأسماك والخضروات والفاكهة الأربعاء 21 أكتوبر 2026

شحاته زكريا يكتب: مصر.. معادلة الثوابت والمتغيرات في إقليم مشتعل

شحاته زكريا
شحاته زكريا

عبر العقود الماضية لم تكن السياسة المصرية يوما مجرد استجابة آنية للأحداث بل ظلت تعكس إدراكا عميقا لتعقيدات الجغرافيا السياسية ، وقراءة واعية لمعادلة الثوابت والمتغيرات في إقليم لم يعرف الاستقرار يوما. ومنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة ، عادت مصر لتؤكد من جديد أنها الرقم الصعب في معادلات الشرق الأوسط ، وصمام الأمان الذي لا يمكن تجاوزه في أي حسابات تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية.

لم يكن الموقف المصري الرافض للتهجير القسري لسكان غزة مجرد رد فعل عاطفي أو موقفا دعائيا، بل جاء امتدادا لرؤية استراتيجية ترى أن أي محاولة لإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي بالقوة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى، وهو ما يتناقض تماما مع المصالح المصرية التي لا تنفصل عن استقرار الإقليم بأسره. فمنذ اللحظة الأولى كانت الرسالة المصرية واضحة: لا مجال لأي سيناريو يُعيد إنتاج النكبات السابقة ولا حلول تُفرض من خارج السياق التاريخي والجغرافي لهذه الأرض.

القاهرة التي عايشت كافة مراحل الصراع العربي–الإسرائيلي ، تدرك جيدا أن السلام الحقيقي لا يولد من رحم المؤامرات ، ولا يُبنى على حساب حقوق الشعوب. من هنا جاءت تحركاتها الدبلوماسية الحثيثة ليس فقط لمنع تهجير الفلسطينيين ، بل أيضا للحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى دوامة جديدة من التصعيد قد تكون تكلفتها هذه المرة أكثر فداحة مما يتخيله صناع القرار في العواصم الكبرى. فالخيارات المفروضة بالقوة لم تنتج يومًا استقرارا، بل كانت على الدوام وصفة جاهزة لصراعات ممتدة الأجل.

ما يميز الموقف المصري في هذا المشهد المعقد ، ليس فقط رفضه لأي محاولات لإعادة تشكيل الخارطة السكانية لغزة بل أيضا إصراره على أن الحلول لا يمكن أن تأتي عبر القفز على ثوابت القضية الفلسطينية. لقد قدمت القاهرة نفسها كصوت العقل وسط ضجيج الحرب ، وأثبتت أن الدبلوماسية المصرية ليست مجرد وسيط محايد بل لاعب أساسي لديه رؤية متماسكة لما يجب أن يكون عليه مستقبل هذه القضية.

لكن في مقابل هذا الثبات ، تدرك مصر أيضا أن المعادلات الإقليمية ليست جامدة، وأن الأوضاع الراهنة تفرض تحديات غير مسبوقة ، سواء على مستوى توازنات القوى أو على صعيد التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية. ومع تصاعد وتيرة التصعيد ، بدا واضحا أن بعض الأطراف تحاول إعادة رسم ملامح المنطقة وفقا لحسابات ضيقة ، لا تأخذ في الاعتبار التبعات الاستراتيجية لمثل هذه المغامرات. وهنا كانت القاهرة حاضرة برسائلها الحاسمة: لا يمكن التعامل مع المنطقة وكأنها رقعة شطرنج تتحرك فيها القطع وفقا لرغبات القوى الكبرى ولا يمكن لأي طرف أن يتجاهل الحقائق الجيوسياسية التي ترسخت عبر عقود من الصراع والتفاوض.

وفي هذا السياق يأتي الموقف المصري ليس باعتباره مجرد رفض لفكرة التهجير ، وإنما كجزء من رؤية أوسع ترى أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر احترام الحقوق التاريخية للشعوب ، وعدم السعي إلى فرض وقائع جديدة بالقوة. فكما تصدت مصر سابقا لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية فإنها اليوم تؤكد من جديد أن أي تسوية يجب أن تكون عادلة ومستدامة وإلا فإنها ستبقى مجرد هدنة مؤقتة سرعان ما تنهار تحت وطأة الحقائق التاريخية والجغرافية.

وربما يكون هذا هو جوهر الرؤية المصرية التي ميزتها عبر عقود: التعامل مع المتغيرات بمرونة، لكن دون التفريط في الثوابت. فبينما تتغير المعادلات الإقليمية وتتبدل المواقف الدولية، تظل مصر ثابتة على مواقفها، تدير الصراع بحكمة، وتوازن بين ضرورة الحفاظ على استقرارها الداخلي، وبين دورها التاريخي كحاضنة لقضايا الأمة.

في النهاية لا يمكن قراءة الموقف المصري تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة بمعزل عن هذه الرؤية العميقة، التي لا تقتصر على البعد السياسي فقط ، بل تمتد لتشمل كافة الأبعاد الاستراتيجية. فبينما يتغير الفاعلون وتتبدل الأدوات، يبقى الثابت الوحيد هو أن مصر بما تملكه من تاريخ وخبرة وموقع ، ستظل الرقم الأصعب في أي معادلة تُرسم لمستقبل المنطقة.

موضوعات متعلقة