شحاته زكريا يكتب: الاقتصاد السياسي للتهدئة.. من يحسب كلفة الصمت؟
في زمن الاضطرابات والصراعات المفتوحة تبدو "التهدئة" خيارا رماديّا في أعين البعض. يراها البعض ضعفا، أو تراجعا، أو مراوغة لتفادي المعركة. لكن الحقيقة التي تغيب عن كثير من العناوين الساخنة هي أن التهدئة ليست تراجعا بل سياسة. ليست صمتا، بل صوت آخر، أكثر نضجا وأعمق حسابا.
في الاقتصاد السياسي لا يُحسب النجاح بعدد المعارك التي تخوضها الدولة ، بل بعدد الأزمات التي تتفاداها بحنكة وكلفة الحروب التي لم تُخض والعواصف التي مرت دون أن تقتلع الجذور. ومن هنا نبدأ في فهم منطق "التهدئة" لا بوصفها هدنة مؤقتة بل كخطة بعيدة المدى تستثمر في الاستقرار وتُراكم النفوذ بهدوء.
في خريطة الإقليم المضطرب كانت مصر – ولا تزال – مثالا لهذا التوازن النادر. دولة اختارت أن تحسب خطواتها بعين العاقل لا باندفاع الغضب. دولة تفهم أن السكون الظاهري ليس خمولا ، بل إعادة تموضع في لحظة تضطرب فيها الأرض تحت أقدام الجميع.
حين يتصاعد الدخان في غزة ، وتتوتر العواصم في الخليج وتترنّح دول جوارها بين الفوضى والانهيار ، تبقى مصر متماسكة لأنها تُدير علاقتها بالإقليم بمنطق "الردع الصامت" لا "الانفعال الصاخب". لا تبحث عن دور استعراضي بل تسعى إلى موقع فعلي لا يُفرض بالهتاف ، بل يُبنى بالصبر والرؤية.
لكن ما الذي يعنيه الاقتصاد السياسي للتهدئة؟
ببساطة إنه الاستثمار في الهدوء باعتباره أصلا من أصول الدولة شأنه شأن الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي. فكل يوم تهدئة في محيط مشحون يُترجم إلى فرصة استثمارية وكل قرار ضبط للنفس يُنتج ثقة سياسية واقتصادية ، وكل خطاب متزن يرفع منسوب الاطمئنان في الداخل والخارج.
خذ على سبيل المثال تحركات مصر في ملفات الطاقة. لم تكن مصر بحاجة إلى صخب لتصبح مركزا إقليميًا لتداول الغاز. بل كانت بحاجة إلى استقرار طويل الأمد ، وشبكة علاقات متوازنة وقدرة على فتح الأبواب دون إثارة الغبار. وهذا بالضبط ما فعلته.
وكذلك الأمر في التعامل مع السودان وليبيا وسوريا. حيث تُدير مصر علاقاتها بسياسة "المُسكّن الوقائي": تفتح قنوات الوساطة تستضيف الحوارات تُوازن بين الفرقاء دون أن تغرق في وحلهم وتُرسل رسائلها دون ضجيج إعلامي أو شعارات ملتهبة. لأن الحساب في النهاية ليس على من يرفع صوته أكثر بل على من يحفظ أمنه واقتصاده في زمن العواصف.
وهذا الخيار لم يأتِ من فراغ. بل هو وليد وعي سياسي عميق بالتوقيت. ففي عالم اليوم لم تعد الحرب وسيلة للحصول على النفوذ بل قد تكون وسيلة لفقدانه. والدول التي تفهم هذا الدرس تختار التهدئة لا لأنها ضعيفة.بل لأنها لا تريد أن تدفع فاتورة حرب لا رابح فيها.
بل إن التهدئة أحيانا تكلّف أكثر من الحرب. لأنها تتطلب أعصابًا هادئة ، وأدوات ناعمة ، وحنكة في قراءة الخرائط المتبدّلة. لكنها – في المقابل – تمنح الدول فرصة ذهبية: أن تستثمر في الداخل بينما ينشغل الآخرون بالخارج ، أن تُعيد بناء ثقة المواطن بينما تتآكل شرعية الآخرين وأن تستعد للدور القادم بينما يُستنزف الخصوم في معارك استنزافية.
إن مصر التي اختارت هذا المسار لم تبتعد عن المشهد الإقليمي بل أعادت تعريف موقعها فيه. لم تتنازل عن مكانتها بل بنتها بهدوء. لم تُقايض أمنها بالصخب بل ضمّنته من خلال التحرك الذكي في مساحة التهدئة. ولهذا أصبحت مقصدا للوساطة ووجهة للاستثمار واسما تحرص الأطراف الدولية على التنسيق معه.
الاقتصاد السياسي للتهدئة ليس شعارا بل علم وفن. علم يقرأ المؤشرات ويحسب المخاطر. وفن يضبط الإيقاع بين الداخل والخارج ويُوازن بين المصالح المتضاربة دون أن يسقط في فخ الانحياز المطلق. وهذا ما نجحت فيه مصر بامتياز خلال العقد الأخير.
وإذا كان العالم يمر الآن بمرحلة "اللايقين" ، فإن الدول التي تُجيد لعب ورقة التهدئة هي وحدها القادرة على العبور. لأن الرهانات الكبرى لا تُكسب بالصوت العالي بل بالبقاء في الساحة حين يغادرها الآخرون.
والصمت الذي تُمارسه مصر أحيانا ليس فراغا ، بل مساحة يُصاغ فيها القرار بحكمة ، وتُبنَى فيها السياسات على مهل وتُؤسَّس فيها ملامح الدور القادم.
في النهاية من يحسب كلفة الصمت؟ هو من يفهم أن الصراخ قد يُربك لكن الصبر يُنجز. وأن في السياسة كما في الحياة،
أحيانا: الصامتون هم من يكتبون النهاية.













