الطريق
الجمعة 5 يونيو 2026 12:54 صـ 18 ذو الحجة 1447 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
حزب مستقبل وطن يختار تامر الحبال أمينًا مساعدًا لأمانة الاستثمار المركزية هاني عبد السميع: رسائل مدبولي تؤكد أن الدولة تدير ملفاتها بشفافية ومسؤولية الصحة: لا إصابات بالإيبولا في مصر ورفع درجة الاستعداد بالمنافذ وزير التخطيط: رئاسة مصر لمحوري الحوكمة والتنافسية تعزز دورها في مبادرات المنظمة بالشرق الأوسط وزير التخطيط: الاقتصاد المصري يحظى باهتمام شركاء التنمية بفضل إجراءات الإصلاح والصمود الاقتصادي الضرائب ترد على أنباء زيادة أسعار الذهب محامية صبري نخنوخ تُفجر مفاجأة: الأزمة مجرد خلاف عقاري والفيديوهات تبرئ موكلي محامية صبري نخنوخ تفجر مفاجأة: المجني عليه اختفى تمامًا بعد أقوال النيابة برلماني يفتح النار على مطاعم ”نظام الطيبات”: بيع للوهم وسعي خلف المشاهدات مستشار ترامب يفجر مفاجأة حول تسريب مكالمة رئيس أمريكا ونتنياهو مروة عثمان تكتب: رياضة الجيم بين الفوائد والأضرار مقتل طفل بطلق ناري داخل سوبر ماركت أثناء شراءه أندومي في الفيوم

شحاتة زكريا يكتب: الحكمة المصرية تُطفئ نار الحروب وتُشعل نور الأمل.. من أكتوبر العبور إلى أكتوبر الوعي

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

منذ أكثر من نصف قرن حين دوّى صوت النصر في سماء أكتوبر أدرك العالم أن هذه الأمة لا تُهزم حين تُستفز كرامتها ولا تنكسر حين تتوحد إرادتها. كان العبور الأول عبورا بالسلاح والإرادة أما العبور الثاني — الذي نعيشه اليوم — فهو عبور بالعقل والحكمة من منطق القوة إلى قوة المنطق ومن ساحات الحرب إلى ساحات الوعي والسلام.

لم تكن مصر يوما دولة تبحث عن حرب بل كانت دائما دولة تصنع توازنا بين الكرامة والسلام. واليوم وهي ترى النيران تشتعل حولها في الإقليم من غزة إلى الخرطوم ومن البحر الأحمر إلى المتوسط تُثبت القاهرة أنها البوصلة التي لم تضلّ الاتجاه أبدا. تُطفئ النار حين يُشعلها الآخرون وتفتح نافذة للأمل حين يُغلقها اليائسُون.

منذ اندلاع العدوان على غزة والعالم يتابع الدور المصري بعين مختلفة. فبينما انشغل كثيرون بالتصريحات كانت مصر تعمل بصمت تُنسق وتفاوض وتفتح المعابر وتُرسل المساعدات وتدير الخيوط الدقيقة بين الأطراف المتصارعة. كان العالم يرى الدبلوماسية المصرية وهي تتحدث بلسان الإنسانية لا المصالح وبضمير التاريخ لا حسابات اللحظة. وفي لحظة بدا فيها السلام بعيدًا كالنجم جاءت القاهرة لتقول كلمتها الهادئة: «العدالة لا تُجزأ، ولا أمن بلا إنصاف».

إنها حكمة تراكمت من آلاف السنين من حكم الفراعنة إلى حكم التجربة من عبقرية النيل إلى عبقرية الإنسان المصري الذي تعلم أن البقاء لا يكون بالقوة وحدها بل بالوعي والبصيرة والقدرة على قراءة ما بين السطور. مصر التي انتصرت في أكتوبر بالسلاح تنتصر اليوم في أكتوبر آخر بالعقل والاتزان. حرب الأمس كانت على الجبهة أما معركة اليوم فهي على الوعي على بقاء الدولة في زمن التفكك وعلى ترسيخ منطق السلام في زمن الفوضى.

ربما لا يدرك كثيرون أن الحفاظ على التوازن وسط هذا الجنون العالمي هو معركة لا تقل شرفا عن عبور القناة. فكل خطوة حكيمة وكل قرار متزن وكل كلمة محسوبة هي جسر جديد بين مصر والمستقبل. لقد أدركت القيادة المصرية أن القوة ليست في رفع الصوت بل في ثبات الموقف وأن المجد الحقيقي لا يُبنى على أنقاض الآخرين بل على حفظ دمائهم وصون حقهم في الحياة.

وحين نربط بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2025، نكتشف أن الرابط الخفي بينهما هو الوعي. فكما استعاد المصريون أرضهم بالذكاء العسكري فإنهم اليوم يستعيدون مكانتهم بالذكاء السياسي. العالم يتغير بسرعة والشرق الأوسط يموج بالتحولات لكن مصر تبقى الثابت الوحيد وسط كل المتغيرات لأنها لم تَبنِ سياستها على ردود الأفعال بل على رؤيةٍ ممتدةٍ عنوانها الاستقرار طريق التنمية والعدالة أساس السلام.

لم يكن عبثا أن تجتمع أنظار العالم في شرم الشيخ مرة أخرى حيث تدور حوارات السلام والطاقة والمناخ والاقتصاد لتثبت مصر أنها ليست فقط قلب العروبة بل قلب العالم النابض بالحكمة. في كل لقاء في كل مؤتمر في كل موقف تُعيد القاهرة تعريف القيادة من جديد: القيادة التي لا تُقاس بالصوت العالي بل بالقدرة على جمع المختلفين حول طاولة واحدة، وتحويل الألم إلى أمل.

إنها مدرسة العبور بالوعي التي تُعلّمنا أن الحروب لا تُحسم في الميادين فقط بل في العقول والضمائر وأن النصر الحقيقي هو أن تحمي وطنك من السقوط في فخ الكراهية والانقسام. ومن هنا تخرج رسالة مصر إلى العالم: لسنا دعاة حرب لكننا لا نتهاون في الحق ولسنا دعاة ضجيج لكننا لا نسكت عن الظلم ولسنا أمة تبحث عن الضوء لأننا نحن من يشعل النور حين يشتد الظلام”.

في أكتوبر العبور انتصر السلاح وفي أكتوبر الوعي ينتصر السلام. وما بين الاثنين تظل مصر هي المعادلة التي لا يقدر أحد على تجاوزها لأنها تكتب التاريخ لا بالحروف فقط، بل بالمواقف وتُعيد صياغة معنى الدولة وسط عالم فقد توازنه.

فلتتذكر الشعوب أن الأوطان لا تُصان بالصوت العالي بل بصوت الحكمة. وأن القاهرة — مهما اشتدت العواصف — ستبقى منارة تطفئ نار الحروب وتشعل نور الأمل لأن في قلبها ذاكرة التاريخ وفي روحها وعيُ المستقبل.