الطريق
الأربعاء 22 يوليو 2026 06:36 صـ 6 صفر 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
وزير الخارجية يلتقي نظيره الإماراتي في ابو ظبي لبحث تعزير العلاقات الثنائية ومتابعة مستجدات الأوضاع الإقليمية الزمالك يتعاقد مع آية النادي لدعم فريق سيدات الكرة الطائرة حضور مصري في جدة.. هيكل ومبروك يشاركان في أمسية الملاكمة العالمية ”The Comeback” نائب رئيس حزب المؤتمر: ثورة 23 يوليو أسست الدولة الوطنية الحديثة والجمهورية الجديدة تواصل استكمال مسيرة الإنجاز النائب محمد أبو النصر: ثورة 23 يوليو صنعت وعيًا وطنيًا ورسخت قيم الكرامة والاستقلال محافظ قنا يقيل مدير مستشفى قنا العام ونقل مدير الشؤون الإدارية وإحالة مسؤول الدفاتر للتحقيق لتردي الأوضاع الصحية السفير محمد العرابي: إطلاق برامج تنموية وثقافية مشتركة مع الجامعة العربية ”العلوم الصحية” توقع بروتوكول تعاون مع مجلس التعليم الكندي لتأهيل كوادرها عالميا برلماني: ذكرى 23 يوليو 1952 تؤكد قدرة المصريين على صناعة التحولات الكبرى وحماية الدولة صناعة البرلمان: تعزيز الشراكة المصرية التنزانية يعكس توجه الدولة لفتح أسواق جديدة ودعم الصناعة الوطنية جيدا منصورعن أصعب مشاهد «تحت السن»: أصابت ما اتضربت في الحمام|فيديو نوح غالي: نجاح عبد الحليم حافظ صِيغ بأقدار مغايرة.. ووُلد في اللحظة الأنسب لتاريخ مصر

شحاتة زكريا يكتب: الحكمة المصرية تُطفئ نار الحروب وتُشعل نور الأمل.. من أكتوبر العبور إلى أكتوبر الوعي

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

منذ أكثر من نصف قرن حين دوّى صوت النصر في سماء أكتوبر أدرك العالم أن هذه الأمة لا تُهزم حين تُستفز كرامتها ولا تنكسر حين تتوحد إرادتها. كان العبور الأول عبورا بالسلاح والإرادة أما العبور الثاني — الذي نعيشه اليوم — فهو عبور بالعقل والحكمة من منطق القوة إلى قوة المنطق ومن ساحات الحرب إلى ساحات الوعي والسلام.

لم تكن مصر يوما دولة تبحث عن حرب بل كانت دائما دولة تصنع توازنا بين الكرامة والسلام. واليوم وهي ترى النيران تشتعل حولها في الإقليم من غزة إلى الخرطوم ومن البحر الأحمر إلى المتوسط تُثبت القاهرة أنها البوصلة التي لم تضلّ الاتجاه أبدا. تُطفئ النار حين يُشعلها الآخرون وتفتح نافذة للأمل حين يُغلقها اليائسُون.

منذ اندلاع العدوان على غزة والعالم يتابع الدور المصري بعين مختلفة. فبينما انشغل كثيرون بالتصريحات كانت مصر تعمل بصمت تُنسق وتفاوض وتفتح المعابر وتُرسل المساعدات وتدير الخيوط الدقيقة بين الأطراف المتصارعة. كان العالم يرى الدبلوماسية المصرية وهي تتحدث بلسان الإنسانية لا المصالح وبضمير التاريخ لا حسابات اللحظة. وفي لحظة بدا فيها السلام بعيدًا كالنجم جاءت القاهرة لتقول كلمتها الهادئة: «العدالة لا تُجزأ، ولا أمن بلا إنصاف».

إنها حكمة تراكمت من آلاف السنين من حكم الفراعنة إلى حكم التجربة من عبقرية النيل إلى عبقرية الإنسان المصري الذي تعلم أن البقاء لا يكون بالقوة وحدها بل بالوعي والبصيرة والقدرة على قراءة ما بين السطور. مصر التي انتصرت في أكتوبر بالسلاح تنتصر اليوم في أكتوبر آخر بالعقل والاتزان. حرب الأمس كانت على الجبهة أما معركة اليوم فهي على الوعي على بقاء الدولة في زمن التفكك وعلى ترسيخ منطق السلام في زمن الفوضى.

ربما لا يدرك كثيرون أن الحفاظ على التوازن وسط هذا الجنون العالمي هو معركة لا تقل شرفا عن عبور القناة. فكل خطوة حكيمة وكل قرار متزن وكل كلمة محسوبة هي جسر جديد بين مصر والمستقبل. لقد أدركت القيادة المصرية أن القوة ليست في رفع الصوت بل في ثبات الموقف وأن المجد الحقيقي لا يُبنى على أنقاض الآخرين بل على حفظ دمائهم وصون حقهم في الحياة.

وحين نربط بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2025، نكتشف أن الرابط الخفي بينهما هو الوعي. فكما استعاد المصريون أرضهم بالذكاء العسكري فإنهم اليوم يستعيدون مكانتهم بالذكاء السياسي. العالم يتغير بسرعة والشرق الأوسط يموج بالتحولات لكن مصر تبقى الثابت الوحيد وسط كل المتغيرات لأنها لم تَبنِ سياستها على ردود الأفعال بل على رؤيةٍ ممتدةٍ عنوانها الاستقرار طريق التنمية والعدالة أساس السلام.

لم يكن عبثا أن تجتمع أنظار العالم في شرم الشيخ مرة أخرى حيث تدور حوارات السلام والطاقة والمناخ والاقتصاد لتثبت مصر أنها ليست فقط قلب العروبة بل قلب العالم النابض بالحكمة. في كل لقاء في كل مؤتمر في كل موقف تُعيد القاهرة تعريف القيادة من جديد: القيادة التي لا تُقاس بالصوت العالي بل بالقدرة على جمع المختلفين حول طاولة واحدة، وتحويل الألم إلى أمل.

إنها مدرسة العبور بالوعي التي تُعلّمنا أن الحروب لا تُحسم في الميادين فقط بل في العقول والضمائر وأن النصر الحقيقي هو أن تحمي وطنك من السقوط في فخ الكراهية والانقسام. ومن هنا تخرج رسالة مصر إلى العالم: لسنا دعاة حرب لكننا لا نتهاون في الحق ولسنا دعاة ضجيج لكننا لا نسكت عن الظلم ولسنا أمة تبحث عن الضوء لأننا نحن من يشعل النور حين يشتد الظلام”.

في أكتوبر العبور انتصر السلاح وفي أكتوبر الوعي ينتصر السلام. وما بين الاثنين تظل مصر هي المعادلة التي لا يقدر أحد على تجاوزها لأنها تكتب التاريخ لا بالحروف فقط، بل بالمواقف وتُعيد صياغة معنى الدولة وسط عالم فقد توازنه.

فلتتذكر الشعوب أن الأوطان لا تُصان بالصوت العالي بل بصوت الحكمة. وأن القاهرة — مهما اشتدت العواصف — ستبقى منارة تطفئ نار الحروب وتشعل نور الأمل لأن في قلبها ذاكرة التاريخ وفي روحها وعيُ المستقبل.