أبو الحسين غنوم يكتب: المغرب.. تجربة تتجاوز المكان والزمان
لا تحتاج في المغرب إلى بطاقة تعريف يكفي أن تقول أنا من مصر فتفتح لك القلوب قبل الأبواب وتسمع جملة تتكرر وكأنها نشيد غير مكتوب أهل مصر… أم الدنيا
لم تكن هذه مجاملة عابرة بل شعورًا حقيقيًا يتسلل إليك في الأسواق في المقاهي في الشارع وفي التفاصيل الصغيرة التي لا تُدرس في كتب السياحة ذات لحظة تعطلت شمسيتي في شارع مزدحم وقبل أن ألتفت مدّ لي رجل مغربي لا أعرفه شمسية أخرى ومضى كأن العطاء هنا فعل يومي لا ينتظر شكرًا
المغرب دولة تعرف كيف تجمع المتناقضات الجميلة هنا تمشي في شوارع عتيقة تعرف أسماء السلاطين والفقهاء والتجار جدرانها تحمل رائحة قرون مضت وأبوابها الخشبية الثقيلة تهمس بتاريخ دولة عريقة كانت إمبراطورية وعرفت البحر والصحراء والتجارة والعلم والحرب والسلام
وفي الدار البيضاء لا يمكن أن تغادر دون أن ترفع عينيك نحو مسجد الحسن الثاني تحفة معمارية تطل على المحيط الأطلسي تتوج المدينة بمئذنة شاهقة تحاكي السماء وتعيد إلى الأذهان قدرة الإنسان على الجمع بين الفن والدين والهندسة الحديثة المسجد لم يكن مجرد مكان للصلاة بل رمز للهوية المغربية وإبداعها المعاصر
وفي اللحظة نفسها تستقل قطارًا فائق السرعة يشق البلاد بدقة أوروبية وثقة مغربية قطار البراق ليس وسيلة نقل فقط بل بيان حضاري يقول إن المغرب لا يعيش على أمجاده بل يبني امتدادها سرعة نظام راحة إحساس بأن الدولة تفكر في الزمن لا في اللحظة فقط
مدن أخرى تحمل عبق التاريخ فاس قلب التراث وروح الفكر حيث المدارس القديمة والمكتبات العتيقة تهمس بعلم وأدب قرون مراكش المدينة الحمراء التي تتألق بأسواقها وساحاتها حيث الأصالة تتقاطع مع الحداثة في كل زاوية الرباط العاصمة التي تمزج بين التاريخ العريق والبرج الجديد رمز المدينة المعاصرة ومركز الإدارة والثقافة حيث تمتزج الحداثة مع الأصالة في انسجام لا يُصدق
هذا التوازن ليس صدفة إنه ثمرة رؤية دولة يقودها الملك محمد السادس رؤية جعلت الإنسان محور التنمية والمدينة واجهة للكرامة والبنية التحتية لغة صامتة للهيبة في عهده لم يُترك التاريخ خلف الزجاج بل صار جزءًا من الحاضر ولم تُنسَ الحداثة في نشرة الأخبار بل نزلت إلى الشارع
وأنت تتجول في المغرب تلاحظ أمرًا نادرًا في عالمنا العربي النظافة ليست حملة بل ثقافة الشارع محترم الرصيف واضح المدينة تعرف شكلها وتعرف أنها مرآة للدولة
ثم تأتي كأس أمم إفريقيا لا كحدث عابر بل كاختبار ثقة والمغرب ينجح بهدوء تنظيم رصين ملاعب حديثة مدن متعددة تشارك في العرس وكأن الدولة تقول لإفريقيا لسنا مضيفين فقط نحن شركاء في الحلم
ما يدهشك في المغرب ليس إنجازًا بعينه بل انسجام الصورة كاملة من المدينة القديمة التي تحفظ الدعاء في جدرانها إلى الشارع الحديث الذي يحترم العابر من ابتسامة المواطن إلى صرامة النظام من الكرم الشعبي إلى التخطيط الرسمي
المغرب لا يحاول أن يشبه أحدًا ولا يرفع صوته هو فقط يمشي واثقًا فتلحق به الانطباعات وتتبعك الدهشة وتغادره وأنت تشعر أنك لم تزُر بلدًا بل التقيت روح أمة

