إيهاب محمود يكتب: كيف يقتل مشروع قانون الإدارة المحلية الحراك السياسي في مصر؟
في الوقت الذي ينتظر فيه الشارع المصري بفارغ الصبر إنهاء حالة الجمود المحلي وتجفيف منابع الفساد التي استشرت في غياب المجالس الشعبية المحلية لسنوات، يفاجئنا مقترح مشروع القانون الجديد المقدم من النائب محمد عطية الفيومي ومجموعة من النواب بتكريس نظام "القوائم المغلقة المطلقة"، وهو الأمر الذي يستدعي وقفة جادة للمراجعة قبل فوات الأوان.
إن الإصرار على تطبيق نظام القوائم المغلقة في انتخابات المحليات هو خطيئة سياسية كبرى؛ فهذا النظام بطبيعته يُصادر أصوات الناخبين ويمنح الفوز لمن يحصل على 50% + 1 بكامل المقاعد، مما يعني إقصاءً تامًا لأي معارضة أو تنوع حزبي، فضلًا عن أن هذا النظام لا يخلق أي حراك سياسي في الشارع، بل يجعل المواطن يشعر بأن صوته بلا قيمة أمام كتل انتخابية جاهزة ومعدة مسبقًا، والمحليات هي عصب الدولة، وإذا غاب التنوع عنها، تحول أعضاء المجالس المحلية إلى مجرد موظفين يوافقون على قرارات السلطة التنفيذية، بدلًا من أن يكونوا رقباء حقيقيين يحاسبون المقصرين ويحاربون الفساد.
وتقتضي مصلحة مصر اعتماد "النظام النسبي" في توزيع المقاعد، فهو النظام الوحيد القادر على تمثيل الجميع وضمان تمثيل أكبر عدد من الأحزاب والقوى السياسية داخل المجلس الواحد، علاوة على خلق كوادر حقيقية ودفع الأحزاب للعمل الجماهيري الحقيقي بدلاً من الاعتماد على التحالفات الورقية في القوائم المغلقة، فضلًا عن تعددية الرؤى ووجود معارضة ومستقلين وأحزاب مختلفة في كل مجلس محلي يضمن رقابة حقيقية وليست صورية.
إن مشروع القانون الحالي، بوضعه الراهن، يحتاج إلى إعادة نظر شاملة، ولا يمكن أن يمر قانون يمس حياة المواطن اليومية من رصف طرق، وتراخيص، ونظافة، وصحة دون إجراء حوار وطني حقيقي تشارك فيه كافة الفئات والأحزاب دون تجاهل لأي طرف، والهدف من قانون المحليات ليس مجرد إجراء انتخابات لإشغال المقاعد، بل بناء نظام ديمقراطي محلي قادر على تطهير الوحدات المحلية من الفساد الذي عطل مسيرة التنمية لسنوات.
لذلك، نطالب مجلس النواب بالتريث، وفتح باب النقاش الواسع، والاستماع لمخرجات الحوار الوطني التي نادت مرارًا بالتعددية، لضمان خروج قانون يعبر عن مصلحة مصر أولاً، ويصنع مجالس قوية قادرة على المواجهة، لا مجالس تكتفي بدور الموظف المطيع.

