الطريق
الخميس 25 يوليو 2024 04:08 صـ 19 محرّم 1446 هـ
جريدة الطريق
رئيس مجلس الإدارةمدحت حسنين بركات رئيس التحريرمحمد رجب
رئيس مجلس الإدارةمدحت حسنين بركات رئيس التحريرمحمد رجب

انتشار المليشيا فى بعض المناطق سيغري الجماعات الإرهابية من غرب أفريقيا بالدخول فى الحرب

المغربي: إسرائيل تسعى للاستفادة من الفوضى في السودان للإضرار بمصر

مكي المغربي مدير العلاقات الدولية بالمركز السوداني
مكي المغربي مدير العلاقات الدولية بالمركز السوداني

تُشهد السودان حاليًا حربًا دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بدأت في 15 أبريل 2023، تُعد هذه الحرب أحدث فصل في تاريخ السودان المضطرب، حيث تضافرت عوامل عديدة - بما في ذلك الخلافات السياسية والاقتصادية - لإشعال النيران في البلاد.

وأدت هذه الحرب إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى، وفرار مئات الآلاف من ديارهم، وانهيار الخدمات الأساسية والتأثير على الاقتصاد السوداني، وإمكانية تمدد النزاع إلى بلدان الجوار تثير قلقاً إقليمياً ودولياً.

ونظرا لما يطرحه المتابعين حول مستقبل الحرب الدائرة، حرصت جريدة الطريق على إجراء مقابلة مع متخص الشأن السوداني، ليجيب عن سؤال الساعة ما الوضع الراهن في السودان ؟ وما هي انعكاسات الحرب في السودان علي المنطقة بشكل عام؟

1- ما هو الوضع الراهن في السودان؟ وما هي أبرز انعكاساته؟

يمكن القول بأن الوضع الراهن في السودان الآن هو أن مليشيات الدعم السريع تحاول إسقاط مدينة الفاشر وذلك بغرض إعلان سلطة موازية للسلطة الشرعية في السودان. وهذا بالتأكيد مرتبط ببعض الدوائر الدولية التي قدمت لهم وعود بإسناد هذه السلطة الموازية لكي تكون ورقة رابحة بيد مليشيات "الدعم السريع" في المفاوضات.

فما يدور على أرض الواقع في منطقة دارفور وغرب السودان هو حرب بغرض دخول قوات المليشيا إلى مدينة الفاشر، وهي لم تستطع الدخول إليها حتى الآن. فهناك قاعدة عسكرية بالقرب من المدينة وهي قاعدة الزرق، وهي التي تتخذها المليشيا كقاعدة إمداد لقواتها التي تحاول الدخول إلى الفاشر، وأن الطيران الحربي للجيش السوداني يقصف هذه القاعدة باستمرار.

أما بالنسبة للوضع في بقية أرجاء السودان، فالمليشيا في المناطق التي استهدفتها فتراهن المليشيا على زيادة الانتشار الجغرافي. وهنا يجب أن نعلم أن هناك فرقًا بين السيطرة والانتشار. فمليشيا الدعم السريع لا تعول على أن تسيطر على مناطق وتعيد الحياة المدنية إليها، ولكنها تعول في المقام الأول على الانتشار الجغرافي بإستخدام العصابات الإجرامية المنتسبة لها وذلك لأنها لا تطالبها بمرتبات أو غيرها من مقابل، ولكنها تعول على نهب ممتلكات وأموال المواطنين وهو ما يحدث الآن على أرض الواقع، فهم لا يتقاضون أجراً مقابل المشاركة فى هذه الحرب ولكن فى نفس الوقت متاح لهب نهب وسرقة كل ما يريدون من ممتلكات المواطنين السودانيين فى المناطق التي يسيطرون عليها.

وأما بالنسبة لأبرز انعكاسات هذا الوضع، أبرزه صورة السودان الخارجية فهذه الصورة تأثرت بشكل كبير للغاية فالقول بأن السودان كله في حالة حرب غير صحيح. فَتوجد العديد من المناطق الآمنة التي لم تنخرط في الحرب وبها حياة آمنة ومستقرة وتستمر فيها العملية التعليمية. وهي الولايات التي لم يدخلها التمرد بعد ويوجد بها تمشيط عسكري وأمني داخلي مستمر للحيلولة دون منع دخول التمرد لها. وهذا ما يجعل من الممكن أن تكون هناك مناطق آمنة في السودان.

2- ما هي توقعاتك بموعد إنتهاء الحرب في السودان ؟
هذا سؤال مباشر وواضح وصعب أيضًا في نفس الوقت، لأنّه عمومًا في التحليل والتنبؤ يصعب جدًّا أن تتنبأ بحدث مفتوح على جميع الاتجاهات.

فلو وضعنا الاحتمال والاتجاه الأول وهو أن تستمر الحكومة أو القيادة في السودان في تشكيل حكومة برئيس وزراء مقبول لدى الشعب السوداني، فهذا يساهم في تخفيض حدة الأزمة في المناطق الآمنة. وهذا يعني عودة السكان السودانيين الذين نزحوا إلى خارج هذه المناطق، وهو ما يعني أيضًا استئناف الحياة الطبيعية في السودان، وهو ما يعكس صورة خارجية عن فاعلية الحكومة السودانية وقوتها. وهذا يفرض واقعًا مختلفًا على طاولة التفاوض.

فإذا نجحت الحكومة في حشد أصدقاء أكثر حولها لإمدادها بالعتاد العسكري مثل روسيا وغيرها من الدول مع النجاح التنفيذي فى تنفيذ ذلك وكذلك عقد عدد من الاتفاقيات التفصيلية مع كافة الأطراف الفاعلة ومع الإنشقاقات التي بدأت داخل الدعم السريع، فأنا في هذه الحالة أتوقع أن تكون النهاية محدودة وقريبة ويمكن القول بأنها ستكون خلال عدد من الأشهر.

لكن إذا لم يحدث هذا الأحتمال بأن لم تستطع القيادة السودانية في تشكيل حكومة، ولم توافق على المضي قدماً في إحداث اتفاقيات مع بعض القادة الميدانيين أو قيادات أهلية قبلية، أو لم تستطع في تعزيز الصداقات في السودان وخارجها، فإن سينعكس بصورة مباشرة لاستمرار مدة الحرب، وستقودنا إلى احتمالات زمنية أطول للحرب.

3- ماهى أبرز تأثيرات الحرب علي الصعيد الاجتماعي والاقتصادي فى السودان ؟

فى البداية لابد بأن نعرف بأن المجتمعات السودانية المتواجدة داخل السودان الآن يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع. وهذا لا ينطبق على المجتمعات التي لجأت إلى دول الجوار، مثل مصر وليبيا وتشاد وإريتريا وإثيوبيا وجنوب السودان. وهو على النحو التالي :

الاولي مناطق متأثرة ولم تدخل الصراع: وهي مناطق لم تصل إليها المليشيات لكنها مُتأثرة بالنزوح وتداعيات الحرب.

الثانية مناطق متأثرة ودخلت الصراع مع عدم سقوطها: وهي مناطق دخلتها المليشيات لكن لم تقع تحت سيطرتها بشكل كامل.

الثالثة مناطق انتشرت فيها المليشيا: وهي مناطق سيطرت عليها المليشيات بشكل كامل.

فبالحديث عن النوع الأول فتوجد مجتمعات سودانية متأثرة بالنزوح أو بالنازحين الداخلين الذين يستضيفونهم في مناطقهم، والتي لم تتأثر بالحرب منذ بداية الصراع. وهي التي تشهد نشاطًا أمنيًا وعسكريًا مكثفًا من الجيش والقوى الأمنية السودانية.

أما الثاني، فلم تدخلها المليشيا، لكنّها متأثرة بالحرب بمعنى أنّه هناك قصف عليها من المليشيا واستهداف مواطنيها وذلك بغرض ترهيب مواطنيها وترويعهم، ومن أجل أن يهاجروا مناطقهم. مثل منطقة أم درمان الشمالية وأم درمان الوسطى التي تم تحريرها مؤقتًا، فتعتبر منطقة أم درمان الوسطى والشمال مناطق ذات كثافة سكانية عالية، وما زالت العمليات العسكرية مستمرة في منطقة أم درمان الجنوبية وكذلك مدينة الأُبَيِّض التي فشلت المليشيات في الدخول والسيطرة عليها. ومع كل محاولة للدخول إليها تقوم المليشيا بقصف المواطنين وترويعهم. فَهذه المجتمعات لم تدخل تحت قبضة المليشيا، لكنّها متأثرة بالحرب وبالنزوح.

أما النوع الثالث، فهي المناطق التي انتشرت بها المليشيا الإجرامية، والحالة بها أقرب للفوضى. فعندما تدخل هذه المليشيات منطقة ما، تدمرها وتقتل أهلها. فَهناك مناطق أستبسل أهلها في الدفاع عنها واستطاعت أن تدير نفسها بنفسها لأنها بعيدة عن سيطرة السلطة الرسمية الشرعية ولم تسمح للمليشيا بالسيطرة عليها بالشكل الكامل. وهناك أيضًا مناطق تدمرت بشكل كامل بفعل أعمال المليشيات الإجرامية. وهذا ما أنتجته الحرب السودانية فقسمت المجتمعات إلى أقسام ولمعالجة هذه التأثيرات فأنا أرى من وجهة نظري هو أن لكل منطقة يجب أن تعالج بطريقة تختلف عن الأخرى وذلك نظراً للعوامل الخاصة بكل منطقة سواء الجغرافية أو الطبيعية أو البشرية.

4- ما هى تأثيرات الحرب غلي مستوى التعليم والصحه في السودان ؟

ويمكن القول بأن هناك تأثير شامل بسبب الحرب على الصحة والتعليم. ويختلف هذا التأثير طبقًا لاختلاف مناطق النزاع طبقًا للتقسيمات السابقة. فالمناطق التي دخلتها المليشيا وانتشرت فيها، فيمكن القول بأن الحديث عن التعليم والصحة بها مجرد أحلام سعيدة، وذلك بسبب أفعال هذه المليشيات الإجرامية فهي تعيث فيها فسادًا وتخريبًا. فلم يسلم أي مستشفى أو جامعة أو غيره من المنظمات التي تخدم المواطنين من تخريب هذه المليشيا.

وأما بالنسبة للمناطق التي تم تدخلها المليشيات، لكنّها تعاني من آثار الحرب، فتوجد بها بعض المناشط الاقتصادية والزراعية والصناعية الخفيفة وذلك لأن المليشيا تقصف المناطق السكنية بغرض إجلاء المواطنين وترويعهم. وبالرغم من ذلك توجد بها شكل من أشكال العمل الاقتصادي وكذلك التعليم والصحة باعتبارها مناطق حرب، ولابد أن يوجد بها عيادات ومستشفيات ميدانية لعلاج المصابين.

وأما بالنسبة للمناطق والأجزاء التي لم تدخلها المليشيا ولم تتأثر بالحرب، فيوجد بها مدارس وجامعات، وبعضها استأنف النشاط التعليمي بها. وهناك أيضًا مستشفيات ما زالت تقوم بعملها. وهناك بعض العمليات الكبيرة والمعقدة لا تزال تجري بها. وهذه المناطق تقع تحت سيطرة الجيش السوداني.

وهذا هو الوضع العام داخل السودان، على الرغم من أنه قد تكون الصورة التي يتناولها الإعلام غير ذلك. فالوضع العام متأثر بصورة أو بأخرى، لكنّ العقلاء والخبراء ينصحون بأن نقوم بمجهود أكبر في المناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش والتي تشهد مستوى من الصحة والتعليم والنشاطات الاقتصادية والاجتماعية، وأن نجتهد في تأمين باقي المناطق التي تقع تحت سيطرة المليشيا.

5- ما هى انعكاسات الحرب في السودان علي المنطقة بشكل عام ؟

يمكن القول بأن انعكاسات الحرب على المنطقة سيئة، والجميع يعلم أن هذه الحرب لا تستهدف السودان فقط. فهناك تربّص إسرائيلي ومن بعض الدول بالسودان وذلك لأسباب عدة، بعضها بسبب الثروات التي يمتلكها السودان، وذلك من أجل السطو عليها، أو بسبب إلحاق الضرر بالدول المجاورة للسودان وعلى رأسها مصر.

وأخشى بأن يكون انتشار المليشيا في بعض المناطق سيغري الجماعات الإرهابية من غرب أفريقيا بالدخول في الحرب. ولا أعتقد أنها ستدخل لصالح المليشيا ولا حتى لصالح المواطنين في نفس الوقت، لكنّها ستجد سوقًا نشطًا للسلاح وإقامة الخلايا الإرهابية وبسط نفوذها وتواجدها في المنطقة.

لذلك، فإنّ انعكاسات الحرب على المنطقة سيئة. وهذا أمر لا يختلف عن ما يحدث في النيجر ومالي وغيرها، فهناك ارتباط بين تمزيق هذه البلدان ونشر المرتزقة وانتشار الإرهابيين.

6- كيف يمكن الاستفادة من العلاقات الاقتصادية القائمة بين مصر والسودان؟

عندما يُطرح هذا السؤال في مصر، هناك ميزة لأننا لا نتحدث عن دور العلاقات السودانية المصرية في إعادة الإعمار، وما يمكن أن تقوم به مصر لمساعدة السودان، بل نتحدث عن علاقات قائمة وميزان تبادل تجاري موجود وفرص متبادلة بين البلدين.

كما ذكرت أن هناك مناطق كثيرة يعيش بها السودانيون، وهناك تبادل تجاري منها إلى مصر ومن مصر إليها أيضًا. ولذلك أنصح بأن يُبنى إعادة الإعمار على النشاط الاقتصادي والتبادل التجاري الموجود بالفعل، لأننا لا نجدد أو نبدأ من الصفر، بل نبدأ من الشركة المصرية السودانية والتي مقرها مصر الجديدة، وهي شركة مشرفة على النشاطات المتنوعة المصرية السودانية.

ونبني على رجال الأعمال المصريين والسودانيين المقيمين في مصر والتي كانت لديهم أنشطة تجارية واستثمارية في السودان في بعض المناطق، والتي تم نقلها للمناطق الآمنة ومتواجدة ومستمرة حتى الآن.

والحديث يجب أن يُحال إلى الجهات التي أصلاً في مسيرة الإعمار في السودان، وهي التي يتواجد بها تداخل مصري سوداني. لكنّ بسبب تميّز الدور المصري الإيجابي خلال هذه الحرب المستمرة في السودان، فإنه يجب على صانع القرار السوداني أن يُبني على ما قامت به الحكومة المصرية.