الطريق
الأحد 14 يوليو 2024 02:36 مـ 8 محرّم 1446 هـ
جريدة الطريق
رئيس مجلس الإدارةمدحت حسنين بركات رئيس التحريرمحمد رجب
رئيس مجلس الإدارةمدحت حسنين بركات رئيس التحريرمحمد رجب

أيمن رفعت المحجوب يكتب: ضوابط الاستثمار في مصر.. دروس في الاقتصاد للوزراء الجدد

أيمن رفعت المحجوب
أيمن رفعت المحجوب

كنت قد أشرت في مقال سابق إلى "معجل ومؤخر الاستثمار"، والضوابط الحاكمة للطلب على الاستثمار في مصر.

وأوضحت أن هناك أثار مباشرة وأثار غير مباشرة لإعادة توزيع الدخل القومي في تحديد معجل ومؤخر الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة.

واليوم أكمل الجزء الخاص بالأثار المباشرة لإعادة توزيع الدخل في الاستثمار، من خلال ما يعرف "بأثر الضرائب والنفقات العامة" في حجم الاستثمار.
ونبدأ أولاً: بأثر الضرائب
حيث تؤدي الضرائب إلى إعادة توزيع الدخل في صالح الطبقات ذات الدخول المحدودة، مما يرفع مستوى الاستهلاك، ويؤدي إلى تخفيض حجم الادخار القومي.
وهو ما يعني إذاً تخفيض موارد تمويل أي استثمارات جديدة هذا إذا زادت معدلات الضرائب عن الحد الأمثل.

وواضح أن هذه النتيجة تؤدي لا محالة إلى إعاقة الاستثمار (المباشر والغير مباشر، خاصة في البلاد الأخذة في النمو كمصر والتي تنقصها المدخرات، ولا يمكن أن نسمح للبنك المركزي "بالإصدارالنقدي الجديد" في تمويل الاستثمارات (وذلك لضعف مرونة الجهاز الإنتاجي) إلا في حدود ضيقة جداً.
وعليه ننبه هنا إلى أن الذي يؤدي الى تخفيض المدخرات القومية، ليس مجرد فرض الضرائب بل تحويل جزء من الدخل القومي من فئة ذات دخول مرتفعة الى فئة ذات دخول منخفضة (تستهلك أكثر من سابقتها).
أما مجرد فرض ضرائب على الدخول المرتفعة دون تحويل حصيلتها إلى أصحاب الدخول المنخفضة أي دون تخصيصها للاستهلاك، فسوف يشكل نوعاً من الادخار الاجباري يحل محل الادخار الاختياري في حالات، ويحل محل الإدخار الاستهلاك في حالات أخرى.

وهو الأمر الذي يجب أن تراعيه الحكومة في وضع السياسة الضريبية بحيث لا يجب بأي حال من الأحوال أن تزيد معدلات الضرائب على الدخول والأرباح والثروات التصاعدية منها، عن "الحد الأمثل للضريبة".

ونكمل ثانيهما: أثر النفقات العامة في الاستثمار:
هنا نوجه نظر الحكومة إلى أنه يجب ان تخصص جزء من النفقات العامة لإقامة استثمارات عامة قومية (مثل نموذج قناة السويس الجديدة والمشروعات القومية الأخرى ذات الطابع المماثل) ولكن بشروط فنية واضحة في التنفيذ تخدم العامل والمستثمر المحلى أولا, حتى تحقق الغرض المطلوب منها، كما يجب أيضا أن يخصص جزء آخر لتشجيع الاستثمارات الخاصة أو لرفع المقدرة الانتاجية له.
ويتطلب دراسة هذا النوع الأخير من النفقات العامة إيضاح التفرقة بين ثلاثة أنواع من التحويلات وهي:
أولاً:
الحوافز والاعانات الاقتصادية والاعفاءات التي تمنح لبعض المشروعات أو لبعض فروع انتاج الأنشطة الاقتصادية بغرض تشجيعها، عن طريق رفع معدل الربح فيها من خلال خفض تكاليف عناصر الانتاج.
وواضح أن مثل هذه الحوافز تؤدي الى زيادة الكفاية الحدية لرأس المال العامل في هذا الفرع الإنتاجي أو النشاط الاقتصادي المطبقة عليه، كوسيلة لرفع معدلات الاستثمار فيها.
وعلى ذلك فإن مثل هذه الحوافز والإعانات الاقتصادية تؤدي في أغلب الأحيان الى انتقال رؤوس الأموال من فرع من فروع النشاط الاستثماري فرع آخر (وتكون الدولة متعمدة ذلك ولأهداف اقتصادية وسياسية واجتماعية قومية مخطط لها بشكل علمي واضح للمستثمر في مصر).

وعادة ما تمنح تلك المزايا والحوافز لمشروعات بعينها مثل استصلاح الأراضي الجديدة والبناء والتشييد لمحدودي الدخل والصناعات الاستراتيجية (لمنع الممارسات الاحتكارية وتحقيق المنافسة التي تصب في النهاية في صالح الاقتصاد الوطني والمواطن المصري) هذا بالإضافة الى الصناعات الهامة كثيفة العمل والتي تخدم الطبقات المتوسطة والفقيرة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية الجاذبة للتكنولوجيا والعلوم الحديثة الى جانب الانشطة الاستثمارية المنتجة
"للسلع الاجتماعية" ان استثمر فيها القطاع الخاص.

وعلى الحكومة المصرية التدقيق في منح تلك المزايا بعناية ووضع ضوابط صارمة لها في قانون الاستثمار الجديد بحيث تمنح فقط للمستثمر المحلي والأجنبي الذى تنطبق عليه الشروط المنصوص عليها في القانون وتحمي مصالح الاقتصاد المصري في المقام الأول والأخير، حتى لا يُساء استخدامها في جني أرباح سريعة وتصدير العملات الأجنبية خارج البلاد، دون استفادة حقيقية للعامل والاقتصاد المصري.
أو إهدار المال العام وضياع حق الدولة.

وأخيراً هنا ننبه أيضاً الى أن هذا التغيير في الهيكل البنياني للاستثمار لا بد وأن يؤثر في الحجم الكلي للاستثمار المباشر وغير المباشر(المحلي والأجنبي أيضا)، نظراً إل ااختلاف مدى "دائرية الانتاج" في فروع الأنشطة الاقتصادية المختلفة والاستثمارات الجديدة المتوقعة من التغير في هيكل البنيان الاقتصادي القائم وهو ما يجب أن تتوقعه الحكومة وتحسب حسابها عليه في خططها، حتى لا تواجه صدمات فنية أو إدارية في المستقبل عند التطبيق تعوق عجلة التنمية في المرحلة المقبلة علينا.
فسياسة الحكومة الاقتصادية الجديدة، يجب أن تكون استباقية لا دفاعية فى الوقت الراهن.

ثانياً:
يجب على الحكومة توجيه واستخدام جزء من الانفاق العام للدولة في رفع إنتاجية العامل والعمل، ومثل ذلك الانفاق على التدريب والتعليم المهني وتبادل الخبرات مع الدول المتقدمة وعلى علاج العمال ورفع درجة رفاهيتهم البدنية والذهنية والمعنوية من خلال أساليب التدريب والتعليم ذات المقاييس العالمية وذلك لرفع القدرة الانتاجية والتنافسية للعامل المصري .

ثالثاً:
وأخيراً يجب على الحكومة أن توجه جزء أخر من النفقات العامة الى زيادة المقدرة الانتاجية للاقتصاد القومي مما يؤدي الى خفض تكاليف الإنتاج (ويعطي مصر ميزة نسبية بين الأسواق المنافسة من حولنا) ، وبالتالي يؤدي هذا إلى رفع الكفاية الحدية لرأس المال العامل ويخفض تدريجياً أسعار الفائدة على الاقراض، مما يحفز على زيادة الاستثمارات في الصناعات الثقيلة والمتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر (حيث لا أتصور أن سعر الاقراض يفوق الـ10% في مصر ومن حولنا دول تقرض في حدود من 3% الى 6% - والمبرر التقليدي عندنا هو أننا نحاول أن نمنع ظاهرة "الدولارا"...!!!.

إلا إن مثل هذه الظاهرة حسب تقديري سوف تختفي تدريجيا من خلال آليات السوق (وبتدخل إداري من قبل البنك المركزي المصري في حدود ضيقة تحت سياسة رقابية تدير توازن سعر الصرف وتمنع المضاربة على العملات في السوق الموازية) وعندما ترتفع معدلات الإنتاج والتصدير المصرية في المستقبل القريب.

وهذا أمر طبيعي ومنطقي، مثلما حدث فيما بين
عام 2005 وعام 2010، حيث استقر سعر الصرف وزاد الاحتياطي النقدي الأجنبي.
غير أن الأربع سنوات الماضية والتي كانت تعاني فيها مصر من ظروف استثنائية حدث هذا التدهور في سعر الجنيه المصري والاضطراب في تعاملات سوق النقد الأجنبي وهو الأمر الذى لا يجب أن يقاس عليه كقاعدة عند وضع السياسات النقدية المستقبلية بل هو أمر شاذ تمخض عن ظروف المرحلة وسوف يزول بانتهائها وأتصور أن إدارة البنك المركزي المصري تؤدي عملا جيدا في هذا المضمار في ظل تدني مستوى الاحتياطي النقدي مرحليا.

ويمكن القول أيضاَ أن زيادة النفقات العامة وزيادة الضرائب (خاصة الضرائب غير المباشرة)، حتماً سوف تؤدي الى ارتفاع الأثمان لفترة حتى يرتفع الناتج القومي إلى معدلات تزيد عن 25% (تضخم في الأسعار مرحلي ولا يجب أن يقلقنا) ، إلا أنها و على الجانب الإيجابي تؤدي أيضاً الى ارتفاع في الكفاية الحدية لرأس المال العامل، وهو ما يعني ارتفاع معدلات الميل الحدي للاستثمار المحلي والأجنبي.

ويتضح لنا الآن من البند ثانيا والبند ثالثا الدور المحوري للدولة والقطاع الخاص في رفع درجة مرونة كفاءة الجهاز الإنتاجي للاقتصاد المصري إن أحسن تطبيقهما من الجانبين العام والخاص وهو ما يؤدي إلى تحقيق معدلات استثمار ونمو مرتفعة حسب الظروف الاقتصادية ويؤدي كما أوضحت إلى تخفيض البطالة والتضخم تدريجيا.

وعليه ننبه هنا لأهمية الأثر المزدوج لتلك الأدوات المالية والنقدية ودور الحكومة والقطاع الخاص، عند التطبيق على وجه الخصوص في حالات الأزمات حينما تكون التوقعات الاقتصادية المستقبلية غير منظورة، وتكون الكفاية الحدية لرأس المال منخفضة نسبياً، كالحالة المصرية.

لذا أرى أنه يجب على القائمين على السياسة الاقتصادية
في الفترة القادمة وضع الخريطة الاستثمارية لمصر الجديدة والأخذ في الاعتبار لتلك الآثار المترتبة على سياسة إعادة توزيع الدخل القومي، ومراعاة الضوابط الحاكمة لدفع عجلة التنمية والاستثمارات الجديدة والعلم بأن مصر كسوق لها ظروفها الخاصة جداً الآن، وبالنسبة للتوقعات المستقبلية، الرؤية يجب أن تكون أكثر وضوحاً عن الماضي للعالم أجمع والسياسات الاقتصادية يجب أن تكون أكثر ثباتا واستقرارا لذا يجب أخذ كل هذه المحددات في تشكيل هيكل البنيان الاقتصادي في الفترة القادمة.

وإن كنا نريد زيادة الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة (المحلية والأجنبية) وتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة تفوق الـ 7% يجب أن نتعلم من تجارب الدول التي سبقتنا، ونتذكر أن كل ما قد يصلح هناك قد لا يصلح هنا وكل ما قد فشل هناك قد ينجح هنا، ونأخذ من تلك الدول المتقدمة ما يفيدنا ونلفظ منها ما لا يناسبنا.

إن مصر أرض خصبة لأي مستثمر محلي أو أجنبي، وسوق واعدة بكل مقاييس ومعايير علم الاقتصاد الحديث، والنجاح لا يتحقق بالنوايا الحسنة وحدها بل بالعلم والعمل الجاد، فتحصيل الكفاءة لا يأتي الا بالمجموع........!!!!!.

موضوعات متعلقة