إنجي بدوي تكتب: من العهد إلى الاحتلال.. غضب ”إلوهيم” على بني إسرائيل
في أسفار العهد القديم، يظهر غضب "إلوهيم" المستمر على بني إسرائيل ليس كحدث غامض أو عقاب عشوائي، بل كاستجابة مباشرة لسلوكيات محددة ومتكررة، تمثل خرق لشروط ووصايا موسى لهم، النص التوراتي لم يقدم بني إسرائيل كضحايا، بل أشار صراحة إلى أخطائهم ومعاقبتهم وإذا ربطنا هذه الأفعال القديمة بأفعال الصهاينة الحديثة، نجد الأفعال نفسها؛ فهذه السلوكيات لم تكن مجرد أخطاء أخلاقية، بل كانت أخطاء في حق كل شئ، كافية لتدمير وتشتيتهم بين الأمم: كسر العهد، عبادة القوة، التمرد على النظام، والتعامل مع الوعد كامتياز لا كالتزام.
بينما كان موسى يتلقى الشريعة، صنع بني إسرائيل العجل الذهبي وعبدوه، في أول اختبار حقيقي لـ كسر العهد واستغلوا غياب موسى وهنا ظهرت حقيقة بني إسرائيل شعب يكسر العهد قبل أن يجف حبره عبادة القوة والرمز المادي كانت نقيض فكرة التحرر التي خرجوا بها من مصر؛ يمكن رؤية انعكاس هذه الظاهرة في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، حيث تتجاوز الدولة حدود القانون الدولي، متجاوزة أي تعهدات أو وعود سابقة، سواء كانت اتفاقات دولية أو التزامات أخلاقية.
فَقَامُوا عَلَى مُوسَى وَأَرُونَ العدد 16:3، تمرد قورح من نسل قهات، ابن عم موسى، وداثان وأبيرام من سبط رأوبين، ضد نظام موسي وأخيه والسبب الرئيسي كان الغرور والرغبة في السلطة، وكانت العقوبة الإلهية عليهم النار التهمت 250 من المتمردين علي موسي وهارون بينما انشقت الأرض وابتلعت قورح وداثان وأبيرام؛ هنا تظهر الصفة أخري لهم وهي التمرد علي النظام لو ربطنا هذه الأفعال بالواقع الفعلي في فلسطين المحتلة سنري أنهم تمردوا كثيراً علي النظام الدولي والإنساني حتي في بدايات احتلال فلسطين وبالرغم أن بريطانيا قدمت لهم "وعد بلفور" علي طبق من ذهب إلا أنهم تمردوا عليها، وبالنسبة لغصب إلوهيم عليهم فـ الصهاينة يعيشون علي قلق الوجود والخوف من بين كل فترة والأخرى يحدث لهم كارثة وكأنها لعنة ربانية بسبب افعالهم في فلسطين.
ومن زاوية أخرى، يظهر التعبير الشهير لدى اليهود "شعب الله المختار"، اعتبروا أنفسهم "مختارون" لكن دون الالتزام بالشريعة والواجبات تحت مسمي التعامل مع الوعد كامتياز لا كالتزام، ومعاصراً استخدام خطاب "الأرض الموعودة" لتبرير الاستيطان والطرد، وكأن الوعد يمنح حقًا دائماً بلا مسؤولية متجاهلين الواجبات الأخلاقية والسياسية وكأن الزمن يعيد نفسه.
ولكي نكون منصفين، هناك قلة من اليهود في العصر الحديث تنتقد الصهيونية، مؤكدين أن فلسطين ليست أرض لليهود، وأن ما يحدث يخالف أوامر إلوهيم، من أبرز هذه الجماعات ناطوري كارتا، التي تؤكد هويتها اليهودية بعيداً عن المشروع الصهيوني وهنا تظهر المفارقة بوضوح: ليس كل يهودي صهيوني، وليس كل صهيوني يهودياً.
من خلال قراءة النص التوراتي، سنجد خطايا بني إسرائيل القديمة هي مرآة لـ أخطاء بني صهيون المعاصرة التي نعيشها الآن؛ بداية من معاصية أوامر "إلوهيم" حتي احتلال أرض فلسطين، في الماضي كانت افعالهم: كسر العهد، عبادة القوة، التمرد على النظام، والتعامل مع الوعد كامتياز لا كالتزام، والآن الاحتلال،القمع، القتل، فرض القوة، وتبرير ذلك باسم القداسة، جميعها ممارسات قديمة تكرر نفسها اليوم، وجهان لعملة واحدة .. ويبقى السؤال الأهم: بأي شكل سيُفرض عقاب إلوهيم على بني صهيون؟ وهل سيشبه عقاب أسلافهم بني إسرائيل؟.

