الطريق
الخميس 4 يونيو 2026 07:58 مـ 18 ذو الحجة 1447 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
مختار غباشي: إيران مستعدة للرد إذا اجتاحت إسرائيل بيروت مختار غباشي: مضيق هرمز «الورقة الذهبية» التي اكتشفتها إيران خلال الحرب ندى ثابت: انتحال الصفة الطبية جريمة تهدد حياة المواطنين حصيلة تجارة ”السموم”.. كيف حاول عنصر إجرامي إخفاء 190 مليون جنيه خلف ستار لا دعي للقلق.. مدبولي: واجهنا تأثيرات الحرب بخطة سريعة وأسواق بديلة|فيديو الطاقة الخضراء.. مدبولي: حوافز جديدة في الطريق للمواطنين والمصانع|فيديو مدبولي يحسم الجدل: لا مفاوضات على قرض جديد حاليًا|فيديو بعد تداول شكاوى الركاب.. ضبط سائق ميكروباص تلاعب بالتعريفة المقررة في الفيوم حقوق الإنسان والرعاية الصحية.. تفاصيل تفتيش النيابة العامة لمراكز إصلاح العاشر من رمضان رسالة شكر.. محلل كويتي: القاهرة حائط الصد الأول عن الأمن العربي|فيديو الري: مشروعات حوض النيل رفعت كفاءة النقل وزادت فرص العمل|فيديو وزير الأمن القومي الإسرائيلي يطلب تصويتا في مجلس الوزراء الأمني على اتفاق وقف النار مع لبنان

قراءة أخلاقية في ضوء علم أشراط الساعة في الإسلام.. بقلم الدكتور منصور مالك

الدكتور منصور مالك
الدكتور منصور مالك

أحدثت الفضيحة المرتبطة بجزيرة إبستين صدمةً عميقة في العالم المعاصر، ليس بسبب الجريمة في ذاتها فحسب، بل بسبب حجم ونفوذ الأسماء المتورطة فيها: شخصيات سياسية، ومالية، وثقافية، وأفراد ظلّوا طويلاً بمنأى عن المساءلة.
بالنسبة للبعض، هي قضية قانونية وسياسية.

وبالنسبة لآخرين، لحظةُ انكشافٍ أخلاقيٍّ لحضارةٍ بأكملها.
أما من زاوية علم أشراط الساعة في الإسلام، فهي تفتح باب تأمّلٍ أعمق.

نمط الخداع قبل نهايات الأزمنة
تصف النصوص الإسلامية المراحل الأخيرة من التاريخ الإنساني لا بوصفها نهايةً فجائية، بل تفككًا أخلاقيًا تدريجيًا؛ زمنًا يُطبَّع فيه الفساد، وتحمي السلطةُ الخطيئة، وتُدفن الحقيقة تحت النفوذ.

ومن أبرز روايات آخر الزمان: المسيح الدجّال. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أنه:
• مكث خفيًّا زمنًا طويلًا
• ارتبط ذكره بجزيرةٍ وتقييد
• سيّدُ الخداع لا القوّة العسكرية
• يفتن الناس عبر الشهوات لا الأيديولوجيا
• يتبعه النافذون قبل العامّة
• يتحرّك بسرعة غير مألوفة، ويُلبس الباطل ثوب الحق

والدلالة الجوهرية هنا: الدجّال لا يغزو بالسيوف، بل بالأوهام والمساومات الأخلاقية.

رمز الجزيرة: جغرافيا السرّية

جاء في حديثٍ مشهورٍ رواه مسلم ذكرُ لقاءٍ غريبٍ على جزيرةٍ نائية، حيث وُجد شخصٌ مقيّدٌ عُرِّف لاحقًا بأنه الدجّال. وقد فهم العلماء عبر القرون أن الجزيرة رمزٌ للعزلة عن المحاسبة؛ مكانٌ لا تصله القوانين ولا عين الرأي العام.

إن جزيرةً معزولة، محروسة، خارج نطاق الرقابة المعتادة، تُعيد إلى الأذهان هذا النمط الرمزي للسرّية—لا على سبيل الجزم، بل بوصفه صدىً يستدعي التأمّل.

فالجزيرة في روايات آخر الزمان ليست جغرافيا فحسب، بل عزلٌ أخلاقيّ تتوهّم فيه السلطة أنها بمنأى عن المساءلة.

كيف يعمل الشرّ: استدراج الأقوياء أولًا
يعلّمنا الإسلام أن الشيطان لا يبدأ بالضعفاء، بل بأصحاب النفوذ.

﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾
(الأعراف: 17)
وتكشف هذه الفضيحة آليةً مألوفةً للفساد:
• إنشاء شبكةٍ خاصّةٍ غير أخلاقية
• استهداف أصحاب الجاه والسلطة
• ربطهم عبر ذنبٍ مشترك
• ضمان الصمت عبر الابتزاز المتبادل
• تحويل النفوذ إلى درعٍ ضد العدالة
وهذا ليس جديدًا؛ الجديد هو أن الستار يُرفَع.

الانكشاف قبل الظهور: سنّة قرآنية

من الحقائق المغفلة في علم أشراط الساعة أن الفتنة الكبرى يسبقها انكشاف.

قَبْلَ هلاك فرعون انكشف بطانته،
وقبل سقوط المتنبّئين ظهرت أكاذيبهم،
وقبل الظهور النهائي للدجّال يتعفّن النظام علنًا.

يقول الله تعالى:

﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾
(الأنفال: 37)

ومن هذا المنظور، ليست الفضائح العالمية دليل قوة الشر، بل علامة على تفكّكه.

السرعة والسيطرة ودور التكنولوجيا

تصف الأحاديث الدجّال بقدرةٍ على الحركة السريعة، والتحكّم بالموارد، والتلاعب بالإدراك، وخلط الحقيقة بالوهم.

وفي عصرنا، قدّمت الذكاء الاصطناعي، والمراقبة الرقمية، والتزييف العميق، وخوارزميات التأثير النفسي أدواتٍ تستطيع:
• صناعة الحقيقة والزيف
• السيطرة على السرديات فورًا
• توسيع دائرة الخوف والشهوة
• طمس الحدود بين الواقع والوهم

وفي زماننا هذا، يمكن إنشاء صورنا وأصواتنا واستعمالها دون علمنا أو موافقتنا، وهو بعدٌ جديدٌ للفتنة لم تعرفه الأجيال السابقة.

الإسلام لا يُدين الأدوات في ذاتها، لكنه يحذّر: حين تُسخَّر الأدوات للخداع بدل الحق، تصبح فتنة.

هل هذا برهانٌ على الدجّال؟

المنهج الإسلامي واضحٌ وحذر:
لا حادثةَ واحدةً تُعدّ دليلًا قاطعًا.

المهم ليس الادّعاء، بل تمييز الأنماط:
• نسبيّة الأخلاق
• تأليه الشهوة
• حصانة النخب
• سقوط الحياء
• اختلاط الحق بالباطل

حين تسود هذه، تُمهَّد الأرض.

السؤال الجوهري: من المحصَّن؟

العبرة ليست متى يظهر الدجّال، بل من يحتمي.

وقد دلّ النبي ﷺ على سُبل الوقاية:
• صفاء الضمير
• التواضع
• العلم
• النزاهة في السرّ والعلن
• رفض بيع الضمير مقابل النفوذ
• فهم وتدبّر سورة الكهف

فأتباع الدجّال—كما في الأحاديث—ليسوا جهّالًا، بل كثيرًا ما يكونون متعلمين ونافذين، ويظنّون أنفسهم مستنيرين.

تأمّل أخير

ليست انكشافات إبستين عن جريمةٍ فحسب، بل عن كيفية عمل شبكات الشر، وكيف تخفي السلطة الخطيئة، وكيف ينهار الغرور تحت ثقله.

سواء قُرئت هذه الوقائع بوصفها إشاراتٍ أخروية أو تحذيرًا أخلاقيًا، فالخلاصة واحدة:

حين يصبح الفساد مؤسسيًا، يصبح الانكشاف حتميًا.

لقد انتهى زمن الخطايا المستورة بين أهل النفوذ.
وما سيأتي بعد ذلك لن يختبر التكنولوجيا،
بل ضمير الإنسان.

موضوعات متعلقة