شحاتة زكريا يكتب: في زمن الأزمات.. من ينجو أولا؟
ليست كل الأزمات متشابهة كما أن النجاة منها ليست قدرا عشوائيا.. في اللحظات الفاصلة من التاريخ حين تضطرب الأسواق وتختلط الحسابات لا يكون السؤال الحقيقي: من يسقط؟ بل من يصمد، ومن يعبر أولا إلى الضفة الأخرى.
العالم اليوم لا يعيش أزمة تقليدية يمكن احتواؤها بأدوات معروفة بل يمر بحالة مركبة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد وتتقاطع فيها الجغرافيا مع المصالح، حرب ترفع أسعار الطاقة اضطرابات في سلاسل الإمداد تضخم يضغط على الجميع وتباطؤ يهدد بتآكل ما تحقق من نمو، في هذا المشهد تبدو الخريطة الاقتصادية وكأنها تعاد صياغتها من جديد ليس وفق منطق القوة فقط بل وفق القدرة على التكيف.. هنا تحديدا تظهر معادلة النجاة.
ففي زمن الأزمات لا ينجو الأقوى بالضرورة بل الأقدر على إعادة التموضع. ليست المسألة حجم اقتصاد أو وفرة موارد فقط بل مرونة القرار وسرعة الاستجابة ووضوح الرؤية، كم من قوى كبرى تعثرت حين تعاملت مع الأزمة بعقلية الماضي وكم من دول محدودة الإمكانات استطاعت أن تخلق لنفسها مساحة من الصمود لأنها فهمت قواعد اللعبة الجديدة.
الاقتصاد في جوهره ليس أرقاما صماء بل انعكاس لقدرة المجتمعات على إدارة الضغوط.. ولهذا فإن أول من ينجو في الأزمات هو من يمتلك رؤية قبل رد الفعل. من لا ينتظر الصدمة ليتحرك بل يقرأ ملامحها قبل أن تتشكل، وهذه القدرة على الاستباق لم تعد رفاهية بل ضرورة وجودية في عالم سريع التحول.. لكن النجاة لا تتحقق بالرؤية وحدها.
هناك عنصر آخر لا يقل أهمية: تنوع مصادر القوة.
الدول التي تعتمد على مورد واحد أو قطاع واحد تكون أكثر عرضة للاهتزاز، أما تلك التي تمتلك قاعدة إنتاجية متنوعة وتستثمر في المعرفة والتكنولوجيا فإنها تخلق لنفسها شبكة أمان تمكنها من امتصاص الصدمات، ومن هنا لم يعد الحديث عن التنمية مجرد رفاه اقتصادي بل أصبح مسألة أمن قومي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. في المقابل هناك عامل لا يقل تأثيرا لكنه غالبا ما يُهمل في التحليل: الثقة.
الثقة بين الدولة والمجتمع بين الأسواق والمستثمرين بين الحاضر والمستقبل.. حين تهتز هذه الثقة تتضاعف آثار الأزمة حتى وإن كانت محدودة، وحين تكون راسخة يمكن للاقتصاد أن يتحمل صدمات أكبر دون أن ينهار، إنها ذلك الرصيد غير المرئي الذي يحدد في كثير من الأحيان من ينجو أولا ومن يتأخر.. ولعل ما نشهده اليوم يؤكد أن الأزمات لم تعد اقتصادية فقط بل أصبحت اختبارات شاملة لنماذج الحكم والإدارة.. فالدول التي استطاعت أن توازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية بين الانفتاح على العالم وتأمين الداخل هي الأقرب إلى تجاوز العاصفة بأقل الخسائر، أما تلك التي اكتفت بإدارة الأزمة بمنطق المسكنات فإنها تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
في هذا السياق تبرز أهمية القرار الصعب؛ ففي أوقات الرخاء يمكن تأجيل الإصلاحات وتخفيف الضغوط والاعتماد على وفرة الموارد، أما في زمن الأزمات فلا مجال للتردد. القرارات المؤجلة تصبح عبئا والإصلاحات المؤجلة تتحول إلى تكلفة مضاعفة، وهنا يظهر الفارق بين من يملك شجاعة المواجهة ومن يفضل تأجيل الحساب.
ومع ذلك لا يمكن اختزال النجاة في السياسات الاقتصادية فقط.. فالمجتمعات نفسها تلعب دورا حاسما،
المجتمع القادر على التماسك وعلى تحمل الضغوط وعلى إعادة ترتيب أولوياته يكون أكثر قدرة على العبور، في المقابل المجتمعات التي تنقسم تحت الضغط أو تنزلق إلى فوضى الاستهلاك والذعر تساهم دون أن تدري في تعميق الأزمة.. ومن زاوية أوسع يمكن القول إن الأزمات الكبرى تعيد توزيع الأدوار على المسرح الدولي.. قوى تتراجع وأخرى تصعد وتحالفات يعاد تشكيلها، وفي هذا السياق لا تكون النجاة مجرد بقاء بل فرصة لإعادة التموضع، من ينجو أولا ليس فقط من يتفادى الخسائر بل من ينجح في تحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق جديدة.. لكن هل يعني ذلك أن هناك فائزين حقيقيين في الأزمات؟، ربما يكون التعبير الأدق هو الأقل خسارة.. فالأزمات بطبيعتها تترك آثارا على الجميع، لكن الفارق يكمن في حجم هذه الآثار وفي القدرة على التعافي بعدها، وهنا يتحدد ترتيب من ينجو أولا ومن يلحق به لاحقا.. في الحالة المصرية تبدو المعادلة أكثر تعقيدا لكنها ليست مستحيلة.. فالاقتصاد المصري كغيره من الاقتصادات الناشئة يتأثر بشدة بما يحدث في الخارج. لكنه في الوقت نفسه يمتلك عناصر قوة يمكن البناء عليها: سوق كبيرة موقع استراتيجي جهود مستمرة في الإصلاح ومحاولات لتعزيز الإنتاج المحلي، التحدي الحقيقي يكمن في تعظيم هذه العناصر وتحويلها من إمكانات إلى نتائج ملموسة.
في النهاية تظل الأزمات لحظات كاشفة تكشف نقاط الضعف قبل القوة وتختبر صدق الشعارات أمام واقع التنفيذ، وفي هذه اللحظات لا يكون السؤال فقط: من ينجو أولا؟، بل: من يتعلم أولا ومن يغيّر قواعده ليواكب عالما لم يعد كما كان.. فالنجاة في جوهرها ليست حدثا عابرا بل عملية مستمرة من الفهم والتكيف ومن يدرك ذلك لا ينتظر نهاية الأزمة ليعلن نجاته… بل يبدأ في النجاة منذ اللحظة الأولى.

