مالك السعيد يكتب: نحو تنظيم قانوني لإنشاء ”شركات تمويل التقاضي والتحكيم”.. رؤية لتعزيز الوصول إلى العدالة وجذب الاستثمار
في الوقت الذي تتسابق فيه الدول لتطوير منظومتها القانونية بما يواكب الاقتصاد العالمي، تبرز فكرة تنظيم شركات تمويل التقاضي والتحكيم باعتبارها إحدى أهم الأدوات الحديثة التي يمكن أن تسهم في تعزيز العدالة، وجذب الاستثمارات، ودعم التحكيم التجاري الدولي، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتسوية المنازعات.
تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في ظل النمو المتسارع لسوق تمويل التقاضي عالميًا،حيث تشير العديد من الدراسات الدولية إلى أن قيمته تجاوزت 17 مليار دولار أمريكي، مع توقعات باستمرار نموه بمعدلات سنوية مرتفعة خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بزيادة المنازعات التجارية الدولية وارتفاع تكاليف التقاضي والتحكيم، وهو ما دفع العديد من الاقتصادات المتقدمة إلى تقنين هذا النشاط ووضع أطر تشريعية تنظم عمله وتحمي أطرافه.
ويقصد هنا بتمويل التقاضي أن تتولى شركة أو مؤسسة مالية متخصصة تمويل الدعوى القضائية أو التحكيم، بما يشمل الرسوم القضائية، وأتعاب المحامين والخبراء، والمصروفات الفنية، مقابل الحصول على نسبة من المبلغ المحكوم به أو التعويض عند نجاح الدعوى، بينما تتحمل الشركة وحدها مخاطر عدم النجاح، فلا تستحق أي مقابل إذا خسر المتقاضي القضية.
يختلف هذا النموذج بشكل جذري عن القروض التقليدية، إذ يقوم على مبدأ تقاسم المخاطر وليس الإقراض، الأمر الذي يجعله أداة مالية مبتكرة تسهم في تمكين أصحاب الحقوق من الوصول إلى القضاء دون أن تكون الإمكانات المالية عائقًا أمامهم.
نموذج أثبت نجاحه في الاقتصادات المتقدمة
لم يعد تمويل التقاضي فكرة نظرية، بل أصبح صناعة قانونية ومالية متكاملة في عدد من الدول المتقدمة، وعلى رأسها المملكة المتحدة وأستراليا وسنغافورة وهونغ كونغ، كما اعتمدته كبرى مؤسسات ومراكز التحكيم التجاري الدولي في العديد من المنازعات الاستثمارية والتجارية العابرة للحدود.
وفي المملكة المتحدة، يخضع النشاط لمدونات سلوك مهنية تضمن استقلال المحامي ومنع تدخل الممول في القرارات القانونية، مع قواعد واضحة للإفصاح والشفافية.أما سنغافورة وهونغ كونغ فقد اتجهتا إلى إصدار تشريعات خاصة تسمح بتمويل التحكيم التجاري الدولي مع فرض ضوابط دقيقة تتعلق بالإفصاح، وحماية السرية، وإدارة تعارض المصالح، وهو ما ساهم في تعزيز مكانتهما كمراكز عالمية للتحكيم.
وفي أستراليا، اعترفت المحاكم بشرعية تمويل التقاضي منذ سنوات، مع إخضاع الشركات الممولة لمتطلبات الحوكمة والملاءة المالية والإفصاح والرقابة، بما يحقق التوازن بين حماية المتقاضين وتشجيع الاستثمار في الخدمات القانونية، حيث تؤكد هذه التجارب أن نجاح النظام لا يرتبط بالسماح به فحسب، وإنما بإقامة منظومة تشريعية متكاملة تحدد الحقوق والالتزامات وتمنع إساءة استخدامه.
لماذا تحتاج مصر إلى هذا التشريع؟
تتزايد أهمية تنظيم تمويل التقاضي في مصر مع اتساع حجم الاستثمارات الأجنبية، وزيادة المنازعات التجارية الدولية، وارتفاع تكاليف التحكيم وتنفيذ الأحكام الأجنبية، خصوصًا في القضايا التي تمتد إلى أكثر من دولة.
ففي كثير من الأحيان تمتلك الشركات أو المستثمرون أو الورثة حقوقًا مالية كبيرة، إلا أن تكلفة التقاضي واستردادها قد تصل إلى ملايين الجنيهات، وهو ما يدفع بعض أصحاب الحقوق إلى التسوية بأقل من مستحقاتهم أو العزوف عن المطالبة بها من الأساس.
ومن هنا، يمثل تمويل التقاضي وسيلة عملية لتحويل الحق القانوني إلى حق قابل للتنفيذ، دون أن يتحمل صاحب الحق أعباء مالية قد تعوقه عن اللجوء إلى القضاء أو التحكيم.
فوائد اقتصادية وقانونية تتجاوز تمويل الدعاوى
لا تقتصر أهمية تنظيم شركات تمويل التقاضي على توفير التمويل فقط، وإنما تمتد إلى تحقيق مجموعة واسعة من المكاسب الاقتصادية والقانونية، من أبرزها:
• تعزيز الحق الدستوري في التقاضي وضمان الوصول إلى العدالة لجميع المتقاضين بغض النظر عن قدراتهم المالية.
• تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي من خلال توفير آلية حديثة لإدارة مخاطر المنازعات.
• دعم التحكيم التجاري الدولي وزيادة تنافسية مصر كمقر إقليمي للتحكيم.
• تسهيل استرداد الأصول والأموال والحقوق عبر الحدود.
• تعزيز تنفيذ الأحكام الأجنبية بما يرفع مستوى الثقة في البيئة القانونية المصرية.
• زيادة كفاءة سوق الخدمات القانونية وخلق قطاع اقتصادي جديد يجمع بين الاستثمار والخدمات القانونية.
• تقليل الضغوط المالية على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك حقوقًا قانونية ولكنها تفتقر إلى السيولة اللازمة لمباشرة النزاعات.
وتشير العديد من الدراسات الاقتصادية إلى أن وضوح البيئة القانونية يعد أحد أهم عناصر جذب الاستثمار، وهو ما يجعل تنظيم هذا النشاط رسالة إيجابية للمستثمرين المحليين والدوليين بأن مصر تتبنى أفضل الممارسات القانونية العالمية.
ما هي القضايا التي يناسبها تمويل التقاضي؟
من الناحية العملية، فإن هذا النظام يناسب بصورة أساسية:
• التحكيم التجاري الدولي.
• المنازعات التجارية الكبرى.
• منازعات الاستثمار.
• استرداد الأصول والأموال.
• تنفيذ الأحكام الأجنبية.
• المنازعات العابرة للحدود.
• المنازعات المتعلقة بالعقود الدولية.
وفي المقابل، قد يكون من الملائم أن يستبعد المشرع بعض أنواع الدعاوى، مثل قضايا الأحوال الشخصية، والدعاوى الجنائية، وبعض المنازعات المرتبطة بالنظام العام، نظرًا لطبيعتها الخاصة وما تثيره من اعتبارات اجتماعية وأخلاقية.
الضمانات التشريعية... أساس نجاح التجربة
وحتى يحقق النظام أهدافه دون الإخلال بعدالة التقاضي، ينبغي أن يتضمن القانون المصري مجموعة من الضمانات الأساسية، أهمها:
• حماية استقلال المحامي ومنع أي تدخل من الممول في إدارة الدعوى أو صياغة الدفاع أو قبول التسويات.
• الحفاظ على سرية المعلومات والملفات القانونية.
• وضع قواعد واضحة للإفصاح عند وجود تمويل للدعوى.
• منع تمويل الدعاوى الكيدية أو التي تفتقر إلى أسس قانونية جدية.
• وضع قواعد لإدارة تعارض المصالح.
• إلزام شركات التمويل بمعايير الحوكمة والشفافية.
إطار رقابي يضمن استقرار السوق
ويتطلب نجاح التجربة وجود جهة رقابية تتولى منح تراخيص شركات تمويل التقاضي والإشراف عليها، مع اشتراط حد أدنى مناسب لرأس المال والملاءة المالية، وإلزام الشركات بالإفصاح الدوري، وتطبيق قواعد الحوكمة وإدارة المخاطر، ومنح الجهة الرقابية صلاحيات توقيع الجزاءات الإدارية والمالية عند المخالفة.
كما ينبغي إلزام الشركات بالاحتفاظ باحتياطيات مالية كافية، وتقديم تقارير دورية، وتطبيق نظم الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، بما يعزز الثقة في هذا القطاع الجديد.
المخاطر المحتملة وكيفية الحد منها
ورغم المزايا الكبيرة لهذا النظام، فإن نجاحه يتطلب معالجة عدد من التحديات، وفي مقدمتها تضارب المصالح، وتمويل دعاوى كيدية أو ضعيفة، أو محاولة بعض الممولين التأثير في قرارات التقاضي أو التسوية.
ولذلك، فإن أفضل الممارسات الدولية تقترح منع أي تدخل للممول في القرارات القانونية، وإلزامه بإجراء تقييم قانوني مستقل قبل التمويل، وإقرار واجبات إفصاح واضحة، مع فرض عقوبات مدنية وإدارية على أي مخالفة تمس نزاهة العدالة أو استقلال مهنة المحاماة.
تصور تشريعي عملي للقانون المصري
ومن المناسب أن يتضمن القانون المصري المرتقب المبادئ الأساسية التالية:
• تعريف واضح لتمويل التقاضي وتمويل التحكيم.
• تحديد الجهات المرخص لها بممارسة النشاط.
• شروط الترخيص والملاءة المالية.
• حقوق والتزامات الممول والمتقاضي.
• حماية استقلال المحامي.
• قواعد السرية والإفصاح.
• تنظيم تعارض المصالح.
• آليات الرقابة والتفتيش.
• العقوبات الإدارية والمالية والجنائية عند المخالفة.
• تنظيم فض المنازعات الناشئة عن عقود التمويل، سواء أمام القضاء أو التحكيم.
إن تبني مثل هذا التشريع لن يمثل مجرد إضافة إلى المنظومة القانونية، بل سيكون خطوة استراتيجية تعزز تنافسية الاقتصاد المصري، وترفع من كفاءة العدالة، وتدعم مكانة مصر كمركز إقليمي للتحكيم وتسوية المنازعات، خاصة في ظل توجه الدولة نحو تحسين مناخ الاستثمار وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
وفي هذا الإطار، يواصل "مكتب مالك السعيد وشركاه للمحاماة والاستشارات القانونية" متابعة أحدث التطورات الدولية في مجالات تمويل التقاضي والتحكيم التجاري، انطلاقًا من خبرته الممتدة في القضايا الدولية والمنازعات العابرة للحدود، وما يرتبط بها من تنفيذ الأحكام الأجنبية واسترداد الأصول والحقوق.
كما يرى "مكتب مالك السعيد وشركاه للمحاماة والاستشارات القانونية"أن إصدار قانون مصري متكامل لتنظيم شركات تمويل التقاضي سيشكل نقلة نوعية في البيئة التشريعية والاستثمارية، وسيسهم في زيادة الثقة في السوق القانونية المصرية، مع الحفاظ الكامل على استقلال القضاء والمحاماة وحماية حقوق المتقاضين.
إن المستقبل التشريعي يفرض مواكبة الأدوات القانونية الحديثة التي أثبتت نجاحها عالميًا. ويأتي تنظيم تمويل التقاضي في مقدمة هذه الأدوات، لما يحققه من توازن بين حماية الحقوق، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الوصول إلى العدالة، ودعم التحكيم التجاري الدولي. ومن واقع خبرته المتخصصة، يواصل "مكتب مالك السعيد وشركاه للمحاماة والاستشارات القانونية"تقديم خدمات قانونية رفيعة المستوى في القضايا الدولية، والمنازعات العابرة للحدود، والميراث الدولي، وتنفيذ الأحكام الأجنبية، واسترداد الأصول والحقوق، بما يجعله من المكاتب الرائدة في هذا المجال.
بالنهاية ...لابد من التأكيد على نقطة غاية الأهمية وهي أنه من المبادئ الجوهرية التي ينبغي أن يؤكدها التشريع المقترح أن قرار قبول أو رفض تمويل أي دعوى أو تحكيم يظل مسؤوليةً حصريةً لشركة التمويل، بوصفه قرارًا استثماريًا يخضع لتقييمها المستقل لطبيعة النزاع، وحجم المخاطر، واحتمالات النجاح، وقيمة الحق أو التعويض، ومدى توافق القضية مع سياسات الائتمان وإدارة المخاطر لديها. وللشركة أن تستعين بمن تراه من الخبراء القانونيين أو الماليين أو الفنيين لإجراء الفحص النافي للجهالة (Due Diligence)، دون أن يؤثر ذلك في استقلال قرارها النهائي أو ينقل مسؤولية التقييم إلى غيرها. كما أن تمويل التقاضي والتحكيم لا يستهدف جميع أنواع الدعاوى، وإنما يقتصر بطبيعته على القضايا ذات القيمة الاقتصادية والاستثمارية المرتفعة، كالمنازعات التجارية الكبرى، والتحكيم التجاري والاستثماري، وقضايا التعويضات الضخمة، واسترداد الأصول، والمحافظ الاستثمارية، ورؤوس الأموال، والحقوق المالية ذات الأثر الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل إلى المنازعات التي تحقق جدوى قانونية واستثمارية وفقًا للمعايير المهنية المعتمدة.

