الطريق
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 04:13 صـ 8 ربيع آخر 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
معتز هشام يدخل عالم السرقة مع العصابة في مسلسل خمسين خمسين ياسمين رئيس تنضم لبطلات رمضان 2027 بمسلسل ما تيجي نشوف مع أحمد فهمي «قرار انقسام» يشارك في مهرجان الأردن الدولي ضمن مسابقة الأفلام العالمية منتخب ٢٠٠٨ يهزم المغرب ١٢/٤٤ ويتأهل لنهائي بطولة أفريقيا لكرة اليد اختبار الـ5 كلمات.. طبيبة تكشف طريقة بسيطة لاختبار الذاكرة وتحذر من تكرار الأسئلة التعليم العالي: إعلان نتيجة تقليل الاغتراب لطلاب الثانوية العامة بمختلف مراحلها وطلاب مدارس STEM ومدارس النيل المصرية الدولية مهرجان الجونة يفتح باب التقديم لمسابقة «عيش» للأفلام القصيرة حول الأمن الغذائي ”سلطنة”.. لأول مرة تجمع بين رامي عياش وأحمد سعد مهرجان الجونة السينمائي يمنح منى زكي جائزة الإنجاز الإبداعي منتخب مصر لكرة الصالات يهزم الجزائر 6-3 فى الودية الأولى سارة بركة تخوض موسم 2026 السينمائي بـ مطلوب عائليًا النائب مجدي البري: جولة مستقبل وطن بالغربية تعكس حرص الحزب على التواصل المباشر مع المواطنين

أبو الحسين غنوم يكتب: الأمن الخليجي بعد هرمز

الكاتب الصحفي أبو الحسين غنوم
الكاتب الصحفي أبو الحسين غنوم

التاريخ لا يتغير عندما تُطلق الصواريخ، بل عندما تتغير القواعد التي تحكم استخدامها، ولهذا، فإنّ الخطأ الأكبر في قراءة المشهد الخليجي اليوم هو الاعتقاد بأن التهديد الحقيقي يكمن في احتمال إغلاق مضيق هرمز، أو في حجم الترسانة الصاروخية الإيرانية، أو في عدد الطائرات التي يمكن أنّ تُشارك في أي مواجهة عسكرية، فكل ذلك على أهميته، يمثل مظاهر الأزمة، لا جوهرها.

أما الحقيقة الأكثر عمقًا، فهي أنّ الشرق الأوسط يشهد ولادة مرحلة استراتيجية جديدة، عنوانها الصراع على التحكم في الاستقرار.

لقد أدركت إيران، منذ سنوات، أنّ كسب حرب شاملة ضد دول الخليج أو القوى الكبرى ليس هدفًا واقعيًا، لذلك انتقلت إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا، تقوم على تحويل الجغرافيا إلى أداة تأثير سياسي، وتحويل الممرات البحرية إلى أوراق ضغط، وتحويل الاقتصاد العالمي إلى ساحة ردع غير مباشرة، وفي هذا النموذج، لا يكون الانتصار باحتلال الأرض، بل بإقناع العالم أنّ استمرار الاستقرار في الخليج لم يعد أمرًا مضمونًا.

إنّ أخطر ما يمكن أنّ يحدث ليس إغلاق مضيق هرمز، بل أنّ يصبح مجرد التهديد بإغلاقه كافيًا لإعادة رسم خرائط الاستثمار، ورفع كلفة التأمين البحري، وإرباك أسواق الطاقة، وإضعاف الثقة في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم، هنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح، ويتحول الزمن إلى جزء من المعركة، لأن الخصم يراهن على الاستنزاف لا على الحسم.

ومن هنا، فإنّ السؤال الذي ينبغي أنّ يشغل العواصم الخليجية لم يعد، كيف نرد على التهديد؟ بل،كيف نمنع التهديد من أنّ يصبح مؤثرًا أصلًا؟، هذه هي النقلة الفكرية التي بدأت تتبلور في السياسات الخليجية خلال السنوات الماضية، فبدلًا من النظر إلى الأمن بوصفه حماية للحدود فقط، أصبح يُنظر إليه باعتباره منظومة متكاملة لحماية الاقتصاد، والطاقة، والملاحة، والتكنولوجيا، والثقة الدولية. 

وفي هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها من أوائل الدول التي تبنت مفهومًا أوسع للأمن، يقوم على بناء شراكات اقتصادية عالمية، وتعزيز أمن الموانئ، والاستثمار في التكنولوجيا، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية، بما يجعل استقرار الخليج جزءًا من استقرار الاقتصاد العالمي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على الرد، بل بقدرتها على جعل أي اعتداء عليها اعتداءً على شبكة واسعة من المصالح الدولية، وعندما تُصبح الموانئ، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والاستثمارات، مترابطة مع الاقتصاد العالمي، فإنّ حماية الخليج تتحول من مسؤولية إقليمية إلى مصلحة دولية.

لكن المستقبل يحمل تحديات أكثر تعقيدًا، فالحرب المقبلة إذا وقعت  قد لا تبدأ بصاروخ، بل بهجوم سيبراني يعطل موانئ، أو بمحاولة إرباك أنظمة الملاحة، أو بحملات تضليل تستهدف الأسواق، أو بضغط على سلاسل الإمداد، ولذلك، فإنّ مفهوم الأمن الخليجي يجب أنّ يتطور من أمن الحدود إلى أمن المنظومات، حيث تُصبح حماية البيانات، والاتصالات، والطاقة، والاقتصاد، جزءًا لا يتجزأ من حماية السيادة.

إنّ المنطقة تدخل مرحلة سيكون فيها التفوق الحقيقي للدولة التي تستطيع أنّ تجمع بين الردع العسكري، والمرونة الاقتصادية، والدبلوماسية الوقائية، والابتكار التكنولوجي، والتحالفات الدولية، فهذه العناصر مجتمعة هي التي ستحدد من يملك زمام المبادرة، لا مجرد حجم الإنفاق العسكري.

وفي ضوء ذلك، فإنّ مستقبل الخليج لن يُبنى على انتظار الأزمات، بل على القدرة على إعادة تعريف قواعد الأمن نفسها، فالأمن لم يعد يُعني فقط منع الحرب، بل ضمان استمرار التنمية مهما تغيرت البيئة الإقليمية، وحماية الثقة الدولية في المنطقة، وتحويل الاستقرار إلى قيمة استراتيجية مشتركة لا يستطيع أي طرف تقويضها دون أنّ يتحمل كلفة سياسية واقتصادية باهظة.

وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر في العقد القادم، ليس كيف تنتصر دول الخليج في مواجهة عسكرية محتملة، بل كيف تجعل من استقرارها عنصرًا لا غنى عنه في استقرار العالم، وعندما يتحقق ذلك، يُصبح الردع أكثر من مجرد توازن للقوة؛ يُصبح توازنًا للمصالح، وهو التوازن الذي أثبت التاريخ أنه الأكثر قدرة على صناعة السلام.

ولعل هذه هي الرسالة التي تفرضها تحولات المنطقة اليوم، أنّ أمن الخليج لم يعد ملفًا إقليميًا، بل أصبح أحد مفاتيح النظام الدولي الجديد، ومن يُدرك هذه الحقيقة مبكرًا، لن يكتفي بحماية حدوده، بل سيسهم في رسم ملامح الشرق الأوسط لعقود قادمة.