أموال قطرية وشبكات الإخوان في أوروبا: كيف تحولت الجمعيات الخيرية إلى أدوات نفوذ؟
لم تعد علاقة قطر بشبكات الإسلام السياسي في أوروبا مجرد ملف يُطرح في السجالات السياسية بين الدوحة وخصومها. فعلى مدار سنوات، كشفت تحقيقات صحفية ووثائق مسربة عن تدفق عشرات الملايين من اليوروهات من قطر إلى مشروعات دينية وثقافية وتعليمية في دول أوروبية عدة، فيما ارتبط بعض المستفيدين بشخصيات أو مؤسسات وصفتها مصادر وتقارير بأنها ذات صلات فكرية أو تنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين.
وتشير ورقة تقدير موقف أعدها مركز المعرفة الدولي في لندن إلى أن جوهر القضية لا يتعلق بمبدأ تمويل المساجد أو المدارس الإسلامية، وهي أنشطة مشروعة في حد ذاتها ما دامت ملتزمة بالقوانين المحلية، وإنما بحجم التمويل الخارجي، وطبيعة الجهات المستفيدة، والشبكات التي نشأت حول هذه المشروعات، وما إذا كان التمويل الخيري قد تحول في بعض الحالات إلى وسيلة لبناء نفوذ ديني واجتماعي طويل الأمد يخدم مصالح دولة أجنبية.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ضوء البيانات الواردة في كتاب Qatar Papers للصحفيين الفرنسيين كريستيان شيسنو وجورج مالبرونو. ووفق جداول استندت إلى وثائق داخلية لقطر الخيرية، مولت المؤسسة 113 مشروعًا في 14 دولة أوروبية، بإسهامات بلغت نحو 71.8 مليون يورو.
وجاءت إيطاليا في مقدمة الدول التي شملها التمويل، بـ45 مشروعًا بلغت مساهمة قطر الخيرية فيها نحو 22.9 مليون يورو، تلتها فرنسا بنحو 14.5 مليون يورو، ثم إسبانيا بنحو 7 ملايين يورو. كما شملت القائمة بريطانيا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا ولوكسمبورغ.
هذه الأرقام تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز العمل الخيري التقليدي: لماذا استثمرت قطر عشرات الملايين من اليوروهات في بناء وتمويل بنية دينية واجتماعية واسعة داخل أوروبا؟
من التبرع إلى بناء النفوذ
يبرز مشروع مركز النور الإسلامي في مولوز الفرنسية باعتباره أحد أبرز الأمثلة على هذا النموذج.
ووفق المعلومات المنشورة عن المشروع، تبلغ تكلفته الإجمالية نحو 27 مليون يورو، ويمتد على مساحة تتجاوز 10 آلاف متر مربع، ويضم مسجدًا ومدرسة ومركزًا للدعوة ومعاهد لتعليم اللغة العربية والقرآن ومركزًا ثقافيًا ومرافق للأوقاف وكلية للعلوم الإسلامية.
وكان المشروع جزءًا من مبادرة «غيث» التابعة لقطر الخيرية، وقدمت المؤسسة المشروع باعتباره منشأة قادرة على خدمة أكثر من 150 ألف مسلم في المنطقة.
من الناحية القانونية، لا يجعل بناء مركز إسلامي أو مدرسة قرآنية المشروع محل شبهة تلقائيًا. لكن أهمية حالة مولوز تكمن في حجم المشروع، وحجم التمويل الخارجي، والجهات والشبكات المرتبطة به.
وتناولت تقارير صحفية فرنسية ما ورد في وثائق Qatar Papers بشأن التمويل القطري للمشروع، وأثارت تساؤلات حول شفافية مصادر التمويل وعلاقة الجهات المحلية المستفيدة بشبكات إسلامية أوسع.
وهنا يظهر أحد أهم أبعاد النموذج محل الدراسة: النفوذ لا يُبنى بالضرورة عبر تمويل نشاط سياسي مباشر. فقد يبدأ بمسجد، ثم يمتد إلى مدرسة، ثم إلى مركز ثقافي أو مؤسسة تعليمية، قبل أن يتحول المشروع إلى نقطة تجمع لشبكة طويلة الأمد من العلاقات الاجتماعية والدينية والتعليمية.
وبالتالي، فإن قيمة مثل هذه المشروعات بالنسبة لأي دولة تسعى إلى توسيع نفوذها لا تُقاس فقط بقيمة التبرع، وإنما أيضًا بعدد الأشخاص والمؤسسات والشبكات التي يمكن أن ترتبط بالمشروع على مدى سنوات.
ألمانيا.. التمويل القطري ومراكز وُصفت بأنها مرتبطة بالإخوان
تقدم ألمانيا مثالًا آخر على هذا المسار.
ففي عام 2020، تناولت صحيفة Stuttgarter Zeitung وثائق قالت إنها فرنسية المصدر، وتتعلق بتمويل قطر الخيرية لمشروعات إسلامية في ألمانيا، ضمن شبكة أوسع من المشروعات في أوروبا.
ووفق التقرير، وصل التمويل القطري إلى نحو 140 مسجدًا ومركزًا إسلاميًا في أوروبا، بقيمة إجمالية تقارب 72 مليون يورو، بينما جاءت ألمانيا في المرتبة الرابعة بين الدول الأوروبية المستفيدة.
وفي ألمانيا، أشار التقرير إلى دعم مركز ديني في شتوتغارت تابع لجمعية وصفها التقرير بأنها تتبنى فكر جماعة الإخوان المسلمين. وبلغت التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 1.3 مليون يورو، كما أشار التقرير إلى وجود كتب ليوسف القرضاوي في مكتبة المسجد.
كما تحدثت الوثائق التي تناولتها الصحيفة عن أكثر من 5 ملايين يورو من قطر الخيرية لأربعة مشروعات ألمانية حتى نهاية عام 2016، شملت منتدى ميونيخ للإسلام، ومسجد دار السلام في برلين، ومسجدًا آخر، ومركزًا دينيًا آخر في برلين بلغت حصة التمويل المرتبطة به نحو 4.4 مليون يورو.
ولا تعني هذه الوقائع أن كل مؤسسة حصلت على تمويل قطري هي مؤسسة تابعة للإخوان المسلمين. لكن أهميتها تكمن في كشف مسار مالي قطري وصل إلى مؤسسات ومراكز وصفتها تقارير بأنها مرتبطة بالدوائر الإخوانية، في وقت كانت فيه السلطات الألمانية تتابع تنامي نشاط الجماعة وشبكات الإسلام السياسي.
وهنا تصبح القضية جزءًا من نقاش أوسع في ألمانيا حول النفوذ الأجنبي داخل المؤسسات الدينية والمجتمعات المسلمة، وليس مجرد مسألة تمويل مشروعات إنشائية.
إيطاليا.. أكبر ساحات التمويل
بحسب البيانات الواردة في Qatar Papers، كانت إيطاليا الساحة الأوروبية الأكبر للتمويل القطري، بـ45 مشروعًا ومساهمة قطرية تقارب 23 مليون يورو.
وتشير الوثائق التي تناولها مؤلفا الكتاب إلى ارتباط عدد من هذه المشروعات بجمعيات وشخصيات تنتمي إلى دوائر إسلامية أوروبية ذات صلات فكرية أو تنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين.
ومن أبرز الأسماء التي تظهر في هذا السياق اتحاد الجاليات والمنظمات الإسلامية في إيطاليا UCOII، الذي كان حاضرًا لسنوات في النقاش الأوروبي بشأن نفوذ جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية المنظمة.
كما تكشف الوثائق عن حضور فكري ليوسف القرضاوي في بعض هذه الشبكات. ففي رسالة مؤرخة في 27 يناير/كانون الثاني 2015، وردت إشادة من القرضاوي بجمعية CAIM في ميلانو وبمشروع مسجد كانت تسعى إلى تنفيذه، وفق ما أورده كتاب Qatar Papers.
وتزداد أهمية هذه الإشارة بالنظر إلى مكانة القرضاوي باعتباره أحد أبرز المنظرين المرتبطين فكريًا بجماعة الإخوان المسلمين، فضلًا عن علاقته الطويلة بالمشهد الديني والإعلامي في قطر.
لكن التعامل المهني مع هذه الوقائع يتطلب التمييز بين الارتباط الفكري والتمويل المباشر. فوجود شخصية إخوانية أو مؤسسة ذات صلة بالإخوان في محيط مشروع ممول قطريًا لا يثبت، بمفرده، أن قطر كانت تمول الجماعة مباشرة.
السؤال الأكثر دقة هو ما إذا كان تكرار التمويل، وتشابه الجهات المستفيدة، ووجود شخصيات ذات ارتباطات فكرية بالإخوان، واستمرار تدفق الأموال لسنوات، يكشف عن نمط من بناء شبكة مؤسساتية تتجاوز مفهوم التبرع الخيري المنفصل.
فرنسا وبريطانيا وسويسرا.. شبكة تتجاوز الحدود
لم يقتصر هذا النمط على إيطاليا وألمانيا.
فبحسب البيانات المنسوبة إلى وثائق قطر الخيرية في Qatar Papers، شمل التمويل 15 مشروعًا في فرنسا، و7 في بريطانيا، و5 في سويسرا، و3 في بلجيكا، إلى جانب مشروعات في ألمانيا وإسبانيا ولوكسمبورغ.
وفي سويسرا، تناولت تحقيقات فرنسية وسويسرية مشروعات ومراكز إسلامية تلقت تمويلًا قطريًا بملايين الفرنكات، كما سلطت الضوء على علاقات بعض هذه المشروعات بشخصيات وشبكات إسلامية أوروبية.
أما في بريطانيا، فقد وردت في تقارير سابقة اتهامات بشأن تمويل مشروعات مرتبطة بجمعيات إسلامية، من بينها Amanah Faith Association في شيفيلد. غير أن بعض الأرقام المتداولة حول هذه المشروعات تحتاج إلى توثيق مستقل قبل التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.
وهذه نقطة أساسية في أي تحقيق مهني: قوة القضية لا تحتاج إلى تضخيم الأرقام أو توسيع الاتهامات. فالبيانات المتاحة بالفعل بشأن عشرات المشروعات وعشرات الملايين من اليوروهات تكفي لطرح أسئلة جدية حول طبيعة التمويل وأهدافه وآثاره.
قطر تنفي.. لكن الأسئلة مستمرة
رفضت قطر مرارًا الاتهامات بأنها تدعم جماعة الإخوان المسلمين، ونفت أن تكون سياستها قائمة على تمويل التنظيم.
وفي سياق تناول مشروع مولوز، نقلت تقارير عن المتحدثة باسم الخارجية القطرية آنذاك، لولوة الخاطر، أن قطر لا تدعم جماعة الإخوان المسلمين، لكنها لا تعتبر نفسها في حرب معها، وأن الدوحة ترى أن بإمكانها المساهمة في إنشاء مراكز ثقافية ودينية قانونية في أوروبا.
لكن هذا الموقف لا ينهي النقاش.
فحتى في حال عدم وجود تمويل مباشر لجماعة الإخوان المسلمين كتنظيم، يبقى السؤال حول المؤسسات الوسيطة والشخصيات والشبكات التي تصل إليها الأموال، وطبيعة الخطاب الذي تنتجه، وعلاقاتها العابرة للحدود.
وهنا تحديدًا تكمن حساسية القضية.
فالدولة لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك مؤسسة سياسية مباشرة داخل أوروبا حتى تحقق نفوذًا. يمكن أن يبدأ الأمر بتمويل مسجد، ثم مدرسة، ثم مركز ثقافي أو مؤسسة تعليمية، ومع مرور الوقت تتحول الجهة الممولة إلى لاعب رئيسي داخل شبكة من المؤسسات والعلاقات.
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقًا بحجم التبرع وحده، بل بالنفوذ الذي يمكن أن ينتج عنه.
مشروع نفوذ طويل الأمد
ما تكشفه هذه الملفات لا يمثل، في حد ذاته، دليلًا تلقائيًا على أن قطر تمول الإرهاب، كما لا يعني أن كل مسجد أو مدرسة حصلت على تمويل قطري تمثل جماعة الإخوان المسلمين.
لكن الصورة الأوسع تستحق التدقيق.
فقطر، بما تمتلكه من موارد مالية ضخمة مقارنة بحجمها السكاني، بنت خلال العقود الماضية حضورًا دوليًا يتجاوز حدودها الجغرافية. الإعلام، الجامعات، المؤسسات الدينية، مراكز الدراسات، الجمعيات الخيرية، والعلاقات مع تيارات الإسلام السياسي، كلها أصبحت عناصر في منظومة نفوذ أوسع.
وفي أوروبا، يبدو التمويل الديني والاجتماعي أحد المجالات التي تستحق دراسة هذا النفوذ.
المشكلة ليست في مساعدة المسلمين الأوروبيين، ولا في بناء المساجد والمدارس والمراكز الثقافية. المشكلة تبدأ عندما تصبح دولة أجنبية ممولًا رئيسيًا لبنية دينية واجتماعية واسعة داخل مجتمعات أوروبية، خصوصًا إذا تداخلت بعض الجهات المستفيدة مع شبكات لها تاريخ أو روابط فكرية بجماعة الإخوان المسلمين.
ومن هنا، تواجه الحكومات الأوروبية سؤالًا أكثر جوهرية: من يمول المؤسسات الدينية داخل أراضيها؟ ومن يحدد أجندتها؟ وما طبيعة العلاقات التي تنشأ حولها؟ وهل يمكن أن يؤدي التمويل الخارجي إلى بناء مراكز نفوذ مرتبطة بأجندات دول أجنبية؟
القضية، في النهاية، ليست مسجدًا في مولوز، ولا مشروعًا في ميلانو، ولا مركزًا إسلاميًا في برلين.
القضية هي النموذج بأكمله: عشرات الملايين من اليوروهات، عشرات المشروعات، دول أوروبية متعددة، وشبكات إسلامية عابرة للحدود، في الوقت الذي كانت فيه قطر تستخدم قوتها المالية والإعلامية والدبلوماسية لتعزيز حضورها الدولي.
وإذا كان التمويل القطري قد ساهم بالفعل في بناء هذه البنية على مدى سنوات، فإن السؤال الأهم لا يقتصر على: كم دفعت قطر؟
بل: ماذا حصلت قطر في المقابل؟
ففي عالم النفوذ الدولي، لا تُقاس الاستثمارات دائمًا بعائد مالي مباشر. أحيانًا يكون العائد الحقيقي هو بناء شبكة من المؤسسات والأفراد القادرين على التأثير في المجتمع، والسياسة، والخطاب العام لسنوات طويلة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية ملف التمويل القطري في أوروبا: ليس باعتباره مجرد قصة عن أعمال خيرية أو بناء مساجد، وإنما باعتباره ملفًا مفتوحًا حول استخدام المال والدين والمؤسسات الاجتماعية كأدوات محتملة لبناء نفوذ جيوسياسي طويل الأمد.


