الطريق
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 05:46 مـ 9 جمادى أول 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
المهندس أحمد طبلية يكشف أبرز تحديات وفرص الاستثمار في السوق العقاري عبد الخالق إبراهيم: التنمية ليست فن تحقيق المستحيل بل علم اختيار أفضل الممكن عضو جمعية المعماريين: المدن الجديدة تعيد رسم خريطة العمران في مصر عبدالناصر زيدان: الأهلي يرفض تقديم موعد مباراة بيراميدز ويتمسك بإقامتها 23 نوفمبر وزير الشباب والرياضة يهنئ منتخب مصر للرجال لتنس الطاولة بعد التتويج بلقب بطولة إفريقيا استجابةً لدعوة الرئيس.. معهد إعداد القادة ينظم ملتقى طلاب الجامعات المصرية استكمالًا للحوار الطلابي في إطار منتدى مصر 2026 تحت شعار «إبداع..... وزارة التعليم العالي تطلق سلسلة «التعليم العالي في أرقام» لرصد تطور المنظومة خلال الفترة من 2014 إلى 2026 تحت شعار «كنا.. وأصبحنا» عبدالناصر زيدان يكشف موقف أحمد فتوح من هجوم جماهير الزمالك عليه مفتي الجمهورية يؤكد: الوعي يمثل ركيزة أساسية في بناء الأوطان وصناعة الإنسان القادر على الإسهام في نهضة مجتمعه واستقرار دولته التخطيط العمراني بقنا يعتمد أحوزة جديدة لـ6 نجوع بمراكز أبوتشت ودشنا وقفط وقوص بترول أسيوط: نجهز مذكرة ضد حمادة القلاوي لاتحاد الكرة.. وقراراته أثرت في نتيجة مباراة الزمالك النائب أحمد عصام: ضبط الأسواق وضمان توافر السلع الغذائية ضرورة لتعزيز فاعلية منظومة الحماية الاجتماعية

محمد عبدالمجيد هندي يكتب: الطبقة العاملة المصرية: صمود في وجه الأزمات ومحرك للعدالة والنهضة

الطبقة العاملة المصرية هي الشريان الرئيسي الذي يمد هذا الوطن بالحياة. هي التي تحمل على عاتقها مسؤولية البناء والإنتاج، وتسطر يوميًا صفحات من الكفاح والعطاء في ظل ظروف معيشية واقتصادية بالغة الصعوبة. ومع ذلك، لم تنصفها السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة، ولم تجد من يُنصف جهدها أو يُقدر دورها المحوري. العامل المصري الذي ينزف عرقه في المصانع والحقول والمكاتب يستحق من الدولة أكثر من مجرد كلمات دعم أو وعود جوفاء، بل سياسات حقيقية تضعه في مقدمة أولوياتها، باعتباره القلب النابض للوطن ومحور أي نهضة حقيقية.

الأزمات التي تواجه الطبقة العاملة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة من السياسات التي أعلت مصلحة القلة على حساب الأغلبية. بدأت المأساة منذ عقود عندما تراجعت الدولة عن دورها في دعم الصناعة الوطنية، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام الاستيراد العشوائي الذي أجهز على العديد من الصناعات المحلية. آلاف المصانع أغلقت أبوابها، وآلاف العمال وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل، بعدما كانوا جزءًا لا يتجزأ من عجلة الإنتاج. هؤلاء العمال الذين بنوا حياتهم وأحلامهم على جهدهم وعرقهم، وجدوا أنفسهم في مواجهة الفقر والبطالة دون أي دعم حقيقي من الدولة.

الأمر لا يتوقف عند الإغلاق المتواصل للمصانع، بل يمتد إلى غياب الحماية القانونية والاجتماعية للعمال. القطاع غير الرسمي، الذي يضم ملايين العمال، بات ملاذًا اضطراريًا لهم، حيث يعملون دون عقود أو تأمينات اجتماعية أو ضمانات صحية. هذا القطاع الذي يفترض أن يكون مؤقتًا أصبح هو الواقع المعيش، وكأن الدولة تخلت عن مسؤوليتها تجاه هذه الفئة التي تمثل عماد الاقتصاد الوطني. العامل في هذا القطاع لا يملك سوى جسده ليعمل به، وعندما يُنهك أو يُصاب، يجد نفسه وحيدًا بلا أي شبكة أمان تحميه أو تعينه.

في مواجهة هذه التحديات، يجب أن نتحدث بصوت عالٍ ونطالب بحلول جذرية تنصف هذه الطبقة التي تحملت الكثير من الأعباء. أولى الخطوات التي يجب على الدولة اتخاذها هي إعادة تشغيل المصانع المغلقة، ووضع خطة قومية للنهوض بالصناعة الوطنية. لا يمكن لدولة تريد تحقيق الاكتفاء الذاتي أو بناء اقتصاد قوي أن تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها. يجب أن تكون الأولوية للإنتاج المحلي، لأن ذلك لا يعني فقط توفير فرص عمل، بل يعني أيضًا تحقيق الاستقلال الاقتصادي وتقليل التبعية للخارج.

إصلاح منظومة الأجور والتأمينات الاجتماعية هو خطوة محورية في هذا السياق. العامل المصري لا يطلب المستحيل، بل يطلب عدالة تتناسب مع الجهد الذي يبذله، ومع الارتفاع الجنوني في الأسعار. الأجور الحالية لم تعد تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية، ومع ذلك يتم الحديث عن التنمية والنهضة دون النظر إلى جيوب العمال ومعاناتهم اليومية. الحد الأدنى للأجور يجب أن يُقر على أساس علمي يراعي معدلات التضخم، ويُطبق بصرامة على كل القطاعات، سواء الحكومية أو الخاصة.

التأمينات الاجتماعية والصحية ليست رفاهية، بل حق أصيل يجب أن يتمتع به كل عامل. لا يمكن القبول بأن يظل ملايين العمال خارج مظلة التأمينات، يعيشون تحت رحمة الظروف. على الدولة أن تتبنى نظامًا شاملًا يضمن لكل عامل حق العلاج والتقاعد وحماية أسرته في حالة المرض أو العجز. هذه ليست منة أو فضل، بل هي مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.

الدور النقابي المستقل يجب أن يُعاد إليه الاعتبار، لأن النقابات الحرة هي صوت العمال الحقيقي، وهي الوسيلة التي يمكن من خلالها الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم. الدولة يجب أن تدعم هذا الحق، وألا تقف عقبة أمام تأسيس النقابات المستقلة، لأن وجودها يعزز الاستقرار الاجتماعي، ويخلق بيئة عمل أكثر توازنًا وإنصافًا. النقابات ليست أداة للمعارضة، بل هي شريك في بناء الوطن، وعندما تُمنح الحرية، فإنها تُسهم في تحسين ظروف العمل وزيادة الإنتاج.

من الضروري أيضًا أن تتبنى الدولة سياسات اقتصادية واجتماعية تضع العامل في قلب خططها. يجب أن تكون هناك خطط قومية شاملة لتطوير الزراعة والصناعة والتعليم الفني، بما يضمن خلق فرص عمل جديدة للشباب، وتحقيق التنمية المستدامة. التصنيع المحلي يجب أن يكون أولوية قصوى، لأنه المفتاح لتحقيق الاستقلال الاقتصادي. كما يجب الاستثمار في التعليم الفني والتدريب المهني، لضمان وجود عمالة مدربة قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل.

هذه الحلول ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وإيمان بأن العمال هم الثروة الحقيقية للوطن. العامل المصري هو الجندي المجهول الذي يحارب في صمت، ويدفع فاتورة القرارات الخاطئة دون أن يملك رفاهية التذمر أو الاحتجاج. حماية حقوقه ليست مجرد واجب أخلاقي، بل هي ضرورة لتحقيق الاستقرار والتنمية.

مصر لن تنهض إلا بسواعد عمالها، ولن تستعيد مكانتها إلا عندما يشعر كل عامل فيها بأنه ليس مجرد رقم في سجلات الحكومة، بل شريك حقيقي في بناء هذا الوطن. آن الأوان لإعادة الاعتبار للطبقة العاملة، والاعتراف بدورها المحوري، والعمل على تحسين ظروفها المعيشية والاقتصادية. هذه ليست قضية عمال فحسب، بل هي قضية وطن بأكمله، لأن قوة العامل هي قوة الوطن، وكرامته هي كرامة الجميع.