الطريق
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 11:01 مـ 9 جمادى أول 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
قيادي بـ«المصريين»: رسائل السيسي في منتدى مصر تؤكد أهمية الوعي الوطني وحماية مؤسسات الدولة برلماني: تصريحات سموتريتش مرفوضة.. وسيناء خط أحمر وسيادة مصر عليها لا تقبل التهديد قيادي بـ«مستقبل وطن»: رسائل الرئيس السيسي بمنتدى مصر تؤكد أهمية الوعي والتواصل والاستعداد للأزمات «من جغرافيا الأرض إلى عبقرية النصر».. آداب المنصورة تستحضر أسرار التفوق المصري في حرب أكتوبر بكتيب توثيقي وزير الخارجية ورئيس جهاز المخابرات العامة يسلمان رسالة خطية من الرئيس إلى خادم الحرمين الشريفين ​لا مرشحين في اليوم الأول من فتح باب الترشح لانتخابات مجلس إدارة النادي المصري إيهاب محمود: مذكرة السراج وتركيا معدومة الأثر.. وسيادتنا البحرية لا تقبل المساومة أمين حماة الوطن بحوش عيسى: تكثيف المبادرات الخدمية لتعزيز التواصل مع المواطنين وتلبية احتياجاتهم بالبحيرة مهران: تركيا وليبيا رسما حدوداً في البحر المتوسط ونسيا أن مصر واليونان موجودتان والقانون الدولي يبطل ذلك وزير الداخلية في ”منتدى مصر 2026”: نجحنا في القضاء على الإرهاب والتكنولوجيا والوعي أساس منظومتنا الحديثة محافظ قنا يلتقي بأعضاء مجلسي النواب والشيوخ لتعزيز التعاون بين الأجهزة التنفيذية والتشريعية عقب تداول فيديو الاعتداء بسلاح أبيض.. الأمن يكشف ملابسات مشاجرة دمياط ويضبط الطرفين

شحاته زكريا يكتب: من يملك الرواية.. يملك السلطة

فى كل زمان كان من يروي القصة هو من يكتب التاريخ ومن يكتب التاريخ هو من يوجّه البوصلة. الرواية ليست مجرد حكاية تُروى بل سلطة تُمارَس، وقوة ناعمة تُعيد تشكيل العقول والضمائر ولهذا لم يكن الصراع يوما على الأرض وحدها بل على السرد لا على الوقائع بل على معانيها وتأويلاتها.

فى عالم يتنازع فيه الخطاب وتضج فيه المنصات، لم تعد الحقيقة وحدها تكفى لا يكفى أن تكون على صواب، بل يجب أن تحكى هذا الصواب بشكل يُقنع ويُبهر ، ويصمد أمام سيل من الحكايات البديلة، التى قد تكون زائفة لكنها براقة.

القوة الصلبة قد تفرض أمرا واقعا لكن الرواية هى التى تمنح هذا الواقع شرعية وتُحوله إلى قناعة. من يملك الرواية لا يشرح فقط ما حدث بل يقول لماذا حدث؟ وكيف يجب أن يُفهم؟ ومن هو البطل؟ ومن هو العدو؟ وهنا تبدأ السلطة الحقيقية.

تأمل كيف تُروى قصة فلسطين الآن ليس الخطر فقط فى القتل والتدمير، بل فى إعادة صياغة المأساة كحرب متكافئة والنكبة كدفاع عن النفس من لا يملك الرواية يُصبح ضحية مرتين: مرة بالقصف ، ومرة بالحذف من السرد.

فى مصر خضنا عبر تاريخنا معارك كبرى ، سياسية وعسكرية وثقافية لكن واحدة من أخطر معاركنا اليوم هى معركة السرد. كيف نحكى تاريخنا؟ كيف نشرح واقعنا؟ كيف نُفسر قراراتنا؟ من يكتب قصتنا أمام أنفسنا والعالم؟

الرواية لا تُكتب فقط فى الكتب بل تُصاغ فى الإعلام، والمسرح، والسينما، والتعليم، والمناهج، وحتى فى حديث المقاهى ومنشورات التواصل الاجتماعى. كل هذه أدوات تشارك عن وعى أو غفلة فى تشكيل الرواية الكبرى.

ولأن السلطة الحقيقية هى سلطة المعنى فإن الاستثمار فى الخطاب لا يقل أهمية عن الاستثمار فى البنية التحتية. يمكن لدولة أن تبنى آلاف الكيلومترات من الطرق والكبارى، لكنها تحتاج إلى جملة واحدة مُلهمة تُفسر هذه الأفعال، وتربطها بالمصير حتى تصبح جزءا من الحكاية الوطنية ، لا مجرد خبر عابر فى نشرة الساعة التاسعة.

لسنا بحاجة إلى رواية مُضللة أو براقة بلا مضمون بل إلى رواية صادقة، متماسكة، تُنير الواقع ولا تُزيفه، تُشرك المواطن فى فهم مسار بلده وتُقنعه بأنه ليس مجرد متفرج، بل بطل فى الحكاية حتى لو كان دور البطولة صامتا أحيانا.

فى زمن التشظى المعلوماتى باتت "السلطة" مرتبطة بقدرتك على تنظيم الفوضى على إنتاج رواية وسط الصخب لا أن تترك الحكاية تُروى من خصمك أو تُختزل فى لقطات مجتزأة وعبارات مبتورة.

لهذا فالمسئولية اليوم ليست فقط على الحكومات بل على النُخب المثقفة والإعلاميين والمبدعين ورجال الدين والمعلمين. كل من يملك منبرا ، يملك إمكانية أن يكون شريكا فى صياغة الرواية. والسؤال: هل نملك الوعى بأن نكون رُواة جيدين لقصة بلادنا؟

فالرواية ليست رفاهية لغوية بل وعاء الذاكرة، ومن دون ذاكرة حية لا يبقى للأمم سوى جدران صامتة ومشاريع بلا روح. إن البناء الحقيقى لا يبدأ من الطوب والحجر بل من الفكرة التى تمنحه معنى، ومن القصة التى تجعله جديرا بالبقاء. وكل مشروع لا تحرسه حكاية يذوب سريعا فى زحام التفاصيل. إننا لا نعيش بالوقائع وحدها بل بالمعنى الذى نخلعه عليها والوجدان الذى يربطها بحلم أكبر من اللحظة.

وفى عالم يبحث عن الحقيقة وسط الغبار تظل الرواية الجيدة هى السلاح الأقوى. سلاح بلا دم لكنه قادر أن يُنقذ أمة أو يُفنيها.

موضوعات متعلقة