الطريق
السبت 6 يونيو 2026 02:43 صـ 19 ذو الحجة 1447 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
كذب مبرر أم ضرورة وطن؟.. هشام الجخ يثير الجدل حول إعلام نكسة 67 ”أهالي العريش معرفوش إنه عسكري واحد غير لما طلعوا يدفنوه”.. هشام الجخ يروي معجزة معركة التل طُبخت في جهنم.. عالم بالأوقاف يكشف قصة الحجارة التي أهلكت قوم لوط عالم بالأوقاف يروي قصة الملائكة الثلاثة الذين نزلوا ضيوفًا على نبي الله لوط أشرف محمود: وزارة الداخلية نجحت في فرض هيبة الدولة والضرب بيد من حديد أشرف محمود: تلاحم الشعب مع الشرطة والجيش صمام الأمان لبتر أي مساس بسلامة المواطنين خبير أمني: إسرائيل تقطع أذرع الأخطبوط الإيراني تمهيدًا لضرب الرأس في طهران محمد مختار جمعة: المخدرات ثاني أكبر خطر يهدد الدولة بعد الإرهاب صبحي مجاهد: جماعة الإخوان تلاعبت بالعاطفة الدينية.. ونواجههم بمادة فقهية سمحة وواعية عميد كلية الدراسات الإسلامية: طلاق زوجة المدمن الهاجر مشروع.. ولا إثم عليها ولا وزر أحمد سليمان: نجحنا في معركة بث الوعي والوطنية.. والمواطن أصبح يمتلك قدرة واعية على الفرز أحمد سليمان: معركة الوعي تبدأ من حصار الترند الفاسد

شحاته زكريا يكتب: من يملك الرواية.. يملك السلطة

فى كل زمان كان من يروي القصة هو من يكتب التاريخ ومن يكتب التاريخ هو من يوجّه البوصلة. الرواية ليست مجرد حكاية تُروى بل سلطة تُمارَس، وقوة ناعمة تُعيد تشكيل العقول والضمائر ولهذا لم يكن الصراع يوما على الأرض وحدها بل على السرد لا على الوقائع بل على معانيها وتأويلاتها.

فى عالم يتنازع فيه الخطاب وتضج فيه المنصات، لم تعد الحقيقة وحدها تكفى لا يكفى أن تكون على صواب، بل يجب أن تحكى هذا الصواب بشكل يُقنع ويُبهر ، ويصمد أمام سيل من الحكايات البديلة، التى قد تكون زائفة لكنها براقة.

القوة الصلبة قد تفرض أمرا واقعا لكن الرواية هى التى تمنح هذا الواقع شرعية وتُحوله إلى قناعة. من يملك الرواية لا يشرح فقط ما حدث بل يقول لماذا حدث؟ وكيف يجب أن يُفهم؟ ومن هو البطل؟ ومن هو العدو؟ وهنا تبدأ السلطة الحقيقية.

تأمل كيف تُروى قصة فلسطين الآن ليس الخطر فقط فى القتل والتدمير، بل فى إعادة صياغة المأساة كحرب متكافئة والنكبة كدفاع عن النفس من لا يملك الرواية يُصبح ضحية مرتين: مرة بالقصف ، ومرة بالحذف من السرد.

فى مصر خضنا عبر تاريخنا معارك كبرى ، سياسية وعسكرية وثقافية لكن واحدة من أخطر معاركنا اليوم هى معركة السرد. كيف نحكى تاريخنا؟ كيف نشرح واقعنا؟ كيف نُفسر قراراتنا؟ من يكتب قصتنا أمام أنفسنا والعالم؟

الرواية لا تُكتب فقط فى الكتب بل تُصاغ فى الإعلام، والمسرح، والسينما، والتعليم، والمناهج، وحتى فى حديث المقاهى ومنشورات التواصل الاجتماعى. كل هذه أدوات تشارك عن وعى أو غفلة فى تشكيل الرواية الكبرى.

ولأن السلطة الحقيقية هى سلطة المعنى فإن الاستثمار فى الخطاب لا يقل أهمية عن الاستثمار فى البنية التحتية. يمكن لدولة أن تبنى آلاف الكيلومترات من الطرق والكبارى، لكنها تحتاج إلى جملة واحدة مُلهمة تُفسر هذه الأفعال، وتربطها بالمصير حتى تصبح جزءا من الحكاية الوطنية ، لا مجرد خبر عابر فى نشرة الساعة التاسعة.

لسنا بحاجة إلى رواية مُضللة أو براقة بلا مضمون بل إلى رواية صادقة، متماسكة، تُنير الواقع ولا تُزيفه، تُشرك المواطن فى فهم مسار بلده وتُقنعه بأنه ليس مجرد متفرج، بل بطل فى الحكاية حتى لو كان دور البطولة صامتا أحيانا.

فى زمن التشظى المعلوماتى باتت "السلطة" مرتبطة بقدرتك على تنظيم الفوضى على إنتاج رواية وسط الصخب لا أن تترك الحكاية تُروى من خصمك أو تُختزل فى لقطات مجتزأة وعبارات مبتورة.

لهذا فالمسئولية اليوم ليست فقط على الحكومات بل على النُخب المثقفة والإعلاميين والمبدعين ورجال الدين والمعلمين. كل من يملك منبرا ، يملك إمكانية أن يكون شريكا فى صياغة الرواية. والسؤال: هل نملك الوعى بأن نكون رُواة جيدين لقصة بلادنا؟

فالرواية ليست رفاهية لغوية بل وعاء الذاكرة، ومن دون ذاكرة حية لا يبقى للأمم سوى جدران صامتة ومشاريع بلا روح. إن البناء الحقيقى لا يبدأ من الطوب والحجر بل من الفكرة التى تمنحه معنى، ومن القصة التى تجعله جديرا بالبقاء. وكل مشروع لا تحرسه حكاية يذوب سريعا فى زحام التفاصيل. إننا لا نعيش بالوقائع وحدها بل بالمعنى الذى نخلعه عليها والوجدان الذى يربطها بحلم أكبر من اللحظة.

وفى عالم يبحث عن الحقيقة وسط الغبار تظل الرواية الجيدة هى السلاح الأقوى. سلاح بلا دم لكنه قادر أن يُنقذ أمة أو يُفنيها.

موضوعات متعلقة