محمد دياب يكتب: حين تخرس الضمائر تبقى مصر صوتاً لفلسطين
لا يمكن الحديث عن القضية الفلسطينية دون الوقوف أمام المأساة الإنسانية المستمرة في قطاع غزة حيث تتوالى فصول الإبادة الجماعية بحق شعب أعزل يُحاصر ويُجوع ويُقصف في كل ساعة بينما يتواصل الصمت الدولي على نحو يثير الذهول والخذلان
في غزة تُختبر إنسانية العالم كل يوم وتجري جرائم حرب على الهواء مباشرة دون أن يتحرك ضمير دولي جاد. التقارير الأممية باتت تفيض بالمآسي: أكثر من 70 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد وآلاف غيرهم شُخصت حالتهم بالمجاعة خلال شهر واحد فقط بحسب "اليونيسف" فيما أكد برنامج الغذاء العالمي أن "ثلث سكان القطاع لم يتناولوا طعاماً لأيام متتالية" وأن الوضع ينذر بكارثة غير مسبوقة
من قلب غزة خرج صوت طفلة صغيرة يردد بألم: (أنا جعانة)... صرخة تختصر حجم المأساة. مشهد يهزّ الضمير الإنساني ويكشف عن كارثة تجاوزت حدود الجوع. من كان بالأمس يوثق المجاعة بات اليوم يبحث عن لقمة يسد بها رمق الحياة
شعب حُرم من الصيد فأُجبر على أكل أوراق الشجر بينما يقف العالم متفرجاً... بعضه يروّج للرواية الكاذبة والبعض الآخر يلوذ بالصمت
وسط هذه المحنة تتعرض مصر لحملات تشويه ممنهجة تُتَّهم فيها زوراً بأنها تساهم في حصار قطاع غزة بينما هي في الحقيقة خط الدفاع الإنساني والسياسي الأول عن فلسطين وقد دفعت عبر تاريخها دماء الآلاف من أبنائها في حروبها مع العدو الصهيوني وواصلت جهودها الدبلوماسية لتثبيت التهدئة ووقف العدوان وكان ولا يزال معبر رفح هو الشريان الذي يتنفس منه قطاع غزة المحاصر
ومع كل عدوان تُسارع الدولة المصرية بإرسال آلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية وفتح مستشفياتها لاستقبال الجرحى والمصابين وتتحرك رسمياً وشعبياً عبر الهلال الأحمر المصري والكنائس ومنظمات المجتمع المدني في تجسيد لوحدة الضمير العربي والمصري
لم تغب الدبلوماسية المصرية عن المشهد لحظة فالقاهرة كانت وستظل العاصمة العربية التي ترعى الحوار الفلسطيني وتطالب في كل محفل دولي بوقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال انطلاقاً من إيمان راسخ بأن لا حل دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية
ما يزيد من قسوة المأساة هو اجتماع بشاعة العدوان الإسرائيلي مع التفاوت الكبير في الاستجابة الدولية حيث برزت مواقف إنسانية مشرفة من أطراف بعيدة جغرافياً عن ساحة الصراع: مثل سفينة "حنظلة" الأوروبية والموقف الأيرلندي الواضح والمظاهرات داخل تل أبيب نفسها التي نددت بالمجاعة إلى جانب أصوات من مفكرين غربيين كشفوا زيف السرديات الاستعمارية التي صورت فلسطين كأرض بلا شعب جاء اليهود ليعمروها
الكارثة التي يعيشها الفلسطينيون اليوم تتجاوز حدود غزة وتمتد لتطال استقرار الإقليم برمّته إن لم تتحرك الأمة جمعاء بمواقف سياسية واقتصادية موحدة وبقوة ضغط دولي تُوقف آلة القتل وتجبر المحتل على الانصياع للشرعية الدولية
الدفاع عن فلسطين واجب إنساني وأخلاقي وديني لا يقبل المساومة ولا يُقاس بمصالح ومصر بما لها من تاريخ ومكانة ستظل سنداً لهذا الشعب المكافح مهما اشتدت الضغوط أو زادت الأباطيل فقضية فلسطين كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً "هي قضية كل مصري" ولن يهدأ الضمير المصري إلا بقيام الدولة الفلسطينية وتحرير الإنسان من هذا الحصار الممنهج













