عاطف البطل يكتب: يغزو مواقع التواصل الاجتماعي
لا شك أنّكم تتفقون معي أنه في ظل التطور الرقمي الهائل، وسرعة الوصول للمعلومة، واجتياح العولمة لجميع دول العالم، أصبح العبء مضاعفا على الذين يحمّلون أنفسهم المسؤولية الأخلاقية والوطنية والدينية، وهؤلاء هم الأعلى منزلة بصرف النظر عن طبيعة مناصبهم أو مسؤولياتهم؛ لأنهم يحملون فوق كاهلهم ما لا يُحْتمل، وهذا لا يكون ديدن إلا مّنْ يحمل في صدره قلبًا نبيلًا شريفًا، فنراه يهب مدافعًا عن عقيدته السليمة، متمسكًا بتراب وطنه، مهما كانت الضغوط والإغراءات، وتلكم ثنائية الدين والوطن، التي يجب المحافظة عليها في جميع الأحوال.
إنْ ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي من فوضى غير أخلاقية، وكأنه سباق محموم لكل ما هو قبيح، حيث وجدنا التضحية بأية قيمة في مقابل المادة أو الشهرة، والكل يعتقد أنّه على صواب وغيره هو الخطأ، ولعمري إنّ هذه ضريبة الثورة الرقمية التي طالما عانينا منها، إذ اختلط فيها الحابل بالنابل، فبات الصيادَ فريسةٌ، والكل يشكو من الكل، فماذا يحدث؟
عندما نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا نرى الكثير من الأشخاص الذين يعتقدون أنّهم على صواب وغيرهم هو الخطأ، بذريعة أنهم الأعلى شهادة أو منصبًا أو أنّهم على علمٍ ببواطن الأمور كما يزعمون، وقد يكون ذلك صحيحًا في بعض القضايا وليس كلها.
ودعوني أناقش معكم تلك القضية الهامة التي تؤثر علينا بشكل أو بآخر، فعندما يطرح بعضنا موضوعًا ما أمام الملأ، فإنّ كل شخص منهم يبدأ في استحضار توقعاته المسبقة عن ذلك الموضوع، وقد تكون هذه التوقعات غير دقيقة، ومع ذلك فإنّه يفسر ويحلل ما يراه أو يسمعه في ضوء تلك التوقعات والمعلومات غير الدقيقة، وبالتالي يحدث الإدراك غير الصحيح، وينجم عنه رأي أو استنتاج غير صحيح نهائيًا، ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب، وإنما قد يتعصب الشخص لرأيه، ويتهم الآخرين بقلة الفهم، وأنّ رأيه هو الصواب، بل الحقيقة نفسها.
وعندها يمكننا القول أنْ هذا الشخص يفسر الأمور وفق قناعته الشخصية، ورؤيته الخاصة، ولم يعتمد على الحقائق أو الأدلة وحدها، وهنا يقع الشخص فيما يسمى بالخطأ الأساسي في الإدراك.
إنّ أغلب الأشخاص فينا لديهم توقعات مسبقة عن الكثير من الموضوعات أو القضايا المطروحة على الساحة، لكن ما هو مصدر هذه التوقعات، وما هي خليفتهم المعرفية وكيف ورثوها؟
وهنا يظهر دور التنشئة الاجتماعية والتعليم والإعلام والثقافة والدين، فكلها تشكّل خلفيتنا المعرفية، وتوقعاتنا المسبقة عن القضايا التي نتحدث فيها، فكل مصدر متوفر للمعلومات طوال حياتنا، إنما مرده لما سبق ذكره ....
فتخيلوا كيف تؤثر هذه الأمور في الإنسان وخصوصًا إذا كانت غير سليمة، فإذا تلقى الشخص مثلا تعليمًا رديئًا أو تعرض لإعلام موجه سيئ، أو نشأ في بيئةٍ سيئةٍ، فسوف يكون حجم الأخطاء في خلفيته المعرفية غير مسبوق، وهذا نتيجة طبيعية للمدخلات السلبية السيئة التي أحاطت بعقله من كل حدب وصوب، فيعتقد أنّ ما يقوله ويظنه عن الواقع هو الواقع بعينه، وقد يتهم مَنْ يختلف معه في الفهم بالغباء والجهل!
ولذلك فعلينا أن نعلي من شأن كل مؤسسة أو وزارة مسؤولة عن تشكيل معتقداتنا وأفكارنا، وما يبث من معلومات شتى في وسائل الإعلام سواء كانت مرئية أم مسموعة ، فيجب أنْ يقوم الإعلام بدوره في التثقيف والتوعية بالقضايا التي تؤثر في المجتمع، وفاقد الشيء لا يعطيه، فعلى الإعلامي أنْ يكون مثقفًا واعيًا ذكيًا، وأنْ يركز على القيم النبيلة ويبرزها، وأنْ يبتعد عن إثارة الموضوعات التي تُحْدِثُ فتنة أو تسبب كراهية أو تغذّي بعض السلبيات في نفوس الناس، وعلى بعض الإعلاميين أن يغيّروا أساليبهم التي باتت مقيتة رغم أننا نثق بوطنيّتهم وبأنهم يساندون الدولة، ولكن نجد بعضهم أحيانا يتحدث بأسلوب مبتذل قد يضر القضية أكثر مما ينفعها، فالناس كلها تشعر بصدق المتحدث أو كذبه، وعندئذ يتعاطفون أو يسخرون ويستهزئون.
يجب الإسراع في العمل على إيجاد منظومة إعلام قوي تخاطب الناس بمهنيّة وصدق؛ حتى لا نجعل معظم الناس لقمةً سائغة للقنوات الخارجية المضلِلة. ولنتذكر دائما أننا في حالة حرب دائمة دون مبالغة، حرب في الأفكار والمعلومات وبث الشائعات، وكلها تريد النيل من وحدتنا.
لقد أضحى هناك عبءٌ كبيرُ على كاهل الأسرة السليمة في تربية أبنائها، وأصبحت كأنها تجاهد في سبيل الله، ولذلك لا غنى عن مؤسسات الدولة ذات الصلة، من وزارات معينة وهيئات متنوعة، أنْ تؤدي دورًا أكبر في ظل المحافظة على الثوابت الدينيّة والوطنيّة.













