محمد دياب يكتب: إيران على حافة الاستنزاف
لا يمكن تفسير ما يجري اليوم بمنطق الصراع التقليدي فقط فالمشهد تجاوز حدود المواجهة المباشرة وأصبح اختباراً لقدرة الدول على إدارة لحظاتها الحرجة، في حالة إيران يتحرك القرار في اتجاه إبقاء التوتر قائماً كأداة إدارة حتى مع ما يحمله ذلك من تداعيات مفتوحة
المعادلة تدور حول كلفة تتصاعد ومكاسب غير مضمونة، والتصعيد المستمر لا يحقق حسماً عسكرياً واضحاً كما أنه يحد من فرص بناء مسار سياسي مستقر فتظل المنطقة عالقة في حالة "لا حرب ولا سلام" وهي حالة تُطيل أمد القلق وتغلق أبواب الحل
دوائر التوتر اتسعت لتشمل محيطاً إقليمياً خارج نطاق الاشتباك المباشر، وهنا تبرز إشكالية توسيع نطاق الصراع حيث تجد دول الخليج نفسها أمام تحديات أمنية لم تشارك في صناعتها رغم تبنيها نهجاً يسعى إلى تجنب الانفجار الشامل، وهذا الاتساع يعمّق العزلة الإيرانية ويفتح المجال لاصطفافات أكثر حدة، وفي المقابل تكشف إدارة الأزمة في الخليج عن نمط مختلف يقوم على احتواء التداعيات وتقليل الخسائر مع التركيز على الدفاع عن الأمن، وهذا التباين يعكس فجوة واضحة في فلسفة إدارة الأزمات بين منهج يسعى إلى التهدئة وآخر يقبل بتوسيع دائرة التوتر كأداة ضغط.
أخطر ما في المشهد يرتبط بتضارب الرسائل، تخرج دعوات للتهدئة في توقيت تتزامن فيه تحركات ميدانية تُبقي على حالة التصعيد فتتآكل الثقة ويصعب إقناع الأطراف بجدية النوايا. في السياسة غياب الثقة يعرقل أي مسار نحو الاستقرار.
المواجهات الأخيرة أكدت محدودية الرهان على الحسم العسكري، إيران تواجه تحديات داخلية تجعل كلفة الاستنزاف مرتفعة كما أن الولايات المتحدة لا تملك ضمانات كافية لفرض استقرار دائم. هكذا تتشكل معادلة معقدة يتحمل فيها الجميع أعباء ممتدة.
اللحظة الراهنة تفرض مراجعة أعمق تتجاوز الحلول التكتيكية، وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية خاصة مع دول الخليج، تفتح مساراً قائماً على تقاطع المصالح وتعزيز الأمن المشترك، وهذه الخطوة تعكس إدراكاً بأن الاستقرار يحتاج إلى توازنات مدروسة وبناء مساحات تفاهم.
في النهاية اتساع دوائر الصراع يضاعف المخاطر ويحد من فرص الاستقرار، وبناء التحالفات يمنح نتائج أكثر استدامة لأن المنطقة التي تعيش على إيقاع التوتر المستمر لا تمنح أحداً فرصة حقيقية للانتصار.

