جريدة الطريق رئيس التحريرمحمد عبد الجليل
الأحد 25 سبتمبر 2022 07:53 صـ 29 صفر 1444 هـ

خالد الصفتي يكشف لـ”الطريق” سر ”فلاش”.. ويروي ذكرياته مع العبقري حمدي مصطفى

خالد الصفتي مع الناشر حمدي مصطفى
خالد الصفتي مع الناشر حمدي مصطفى

• مؤلف السلسلة الشهيرة: الأستاذ هو "زويل" الأدب والنشر

• لم يكن مهتما بالظهور الإعلامي وكرس حياته لمشروعه الثقافي

• حمدي مصطفى هو من اقترح علي فكرة "فلاش"

• الكتاب حقق مبيعات غير مسبوقة في معرض الكتاب سنة 90

من يقرأ فلاش؟ الكبير والصغير.. المتفائل والمتشائم

أين تقرأ فلاش؟ في السر والعلن.. في طابور الجمعية وفي الأوبرا

متى تقرأ فلاش؟ وانت تودع المصائب.. أو تواجهها

فلاش يصعد بك إلى آفاق بعيدة لم تتعرف عليها من قبل، ثم يرتد بك إلى عالم الطفولة المثير.

بهذه الكلمات المثيرة التي طلت على المواطن المصري في تسعينيات القرن العشرين، من مختلف وسائل الإعلام المتاحة وقتها، ولد كتابا من أهم كتب الجيب للأطفال والشباب، وهو "فلاش"، ذلك الكتاب صغير الحجم غزير المعلومات والقصص والرسوم المبهجة.

ومع حلول معرض الكتاب عام 1990، حققت النسخة الأولى من الكتاب الشهير مبيعات غير مسبوقة في دور النشر، وشهد المعرض زحاما شديدا من أجل شراء "فلاش" والدخول في عالم أبطاله "ميديو وكلبه المغلوب على أمرة هرقل، وشقيقته سوزي وقطتها المشاكسة هادية، وعلام، وتوتو عضلات، والعالم مفهوم، والمواطن المطحون" وغيرهم من أبطال السلسلة التي أحبها كل من قرأها.

فما هي قصة "فلاش"؟

وكيف بدأت الفكرة؟

ومن السبب في خروجها إلى النور؟

كل هذا وأكثر كشفه لـ"الطريق" الكاتب والرسام خالد الصفتي مؤلف السلسلة الشهيرة التي نافست العديد من كتب الجيب، وأصبحت شخصياتها أيقونات مميزة في عالم القصص المصورة.

خالد الصفتي

كيف بدأت فكرة "فلاش"؟

في بداية الأمر التحقت بالمؤسسة العربية الحديثة لأعمل رساما، ورغم عشقي للكتابة أيضا، إلا إني لم أخبر أحد بذلك، لكني فوجئت بالأستاذ حمدي مصطفى صاحب دار النشر يتحدث معي في إحدى الجلسات ويطلب مني أن أكتب أيضا، وتحدث معي عن انبهاره بالطفل الغربي الذي كان دائما ما يمسك في يده كتابا من القطع الصغير في أي مكان يتواجد فيه، وصارحني بحلمه أن يكون في مصر مثل تلك الكتب للأطفال والشباب، وفي تلك الجلسة ولدت فكرة "فلاش"، حيث أخبرته بأني سأعمل على "خلطة الكتاب" وأعرضها عليه ليبدي رأيه فيها، وبالفعل مكثت في بيتي أسبوعين أعمل على المشروع، وأنا أضع أمام نفسي تحديا واضحا، وهو أن يجد القارئ نفسه لا يستطيع تركه دون أن ينتهي منه، ولا يشعر بالملل منه أبدا، ثم ذهبت إليه بالعدد الأول من السلسلة.

اقرأ أيضا: نبيل فاروق لـ”الطريق”: حمدي مصطفى كان موهوبا في اكتشاف المواهب

وكيف كان رد فعله وقتها؟

كان سعيدا بشدة، وأخبرني أن هذا ما كان يريده بالفعل، وقال لي "نظرتي لك كانت في محلها"، وعلى عكس ما كان متبعا، من أن الروايات تعرض عليه بصفته ناشرا وهو يقرر القبول أو الرفض، تعتبر"فلاش" السلسلة الوحيدة التي فكر فيها الأستاذ حمدي رحمه الله وأرادها أن تخرج للنور، ولذلك كان متحمسا لها بشدة، وقرر تنفيذ حملة إعلانية ضخمة لها، كانت هي الأضخم في تاريخ دار النشر وقتها، وبالفعل ملأت الإعلانات الصحف والإذاعة التلفزيون، وقبل صدور العدد الأول بأيام قليلة، طبعت المؤسسة العربية الحديثة كتيبا دعائيا من 16 صفحة، تم توزيعه مجانا ليتعرف القراء أكثر على "فلاش".

صفحات فلاش

ألم يشعرك ذلك الأمر بالرهبة؟

لقد كان الأستاذ متحمسا بشدة للكتاب، لدرجة إني تخوفت قليلا من عدم نجاح الفكرة وخسارة الرجل، لذلك حاولت إقناعه بعمل دعاية عادية كالتي كان يقوم بها لباقي إصدارات روايات مصرية للجيب، ففوجئت به يمازحني قائلا "أنا عايز أخسر يا أخي"، لكنه كان يعي ما يفعله جيدا، وجاءت النتيجة غير متوقعة بالمرة، حيث حقق الكتاب مبيعات غير مسبوقة بمجرد طرحه في معرض الكاتب، لدرجة أن النسخ المعروضة كانت تنفد يوميا لمدة 10 أيام متواصلة، فقد كان الازدحام على الكتاب نفسه وليس على دار نشر بعينها كما كان معهودا وقتها.

هل حاولت دور النشر تقليد فكرة فلاش في تلك الفترة؟

هذا ما حدث بالفعل، فبعد النجاح المبهر للسلسلة فوجئنا بعدة دور نشر كبيرة وصغيرة ومجهولة أيضا تبدأ في إصدار عدة كتب على غرار "فلاش"، فوجدنا إصدارات مثل "تفانين، وفتافيت، وشخابيط"، وغيرها من الكتب التي كانت تقليدا غير ناجح لما قمنا به من عمل، وبالطبع لم تحقق تلك الكتب النجاح المنشود، فما كان يقوم به الأستاذ حمدي مصطفى كان مختلفا للغاية، حيث كان ينشد تثقيف الشباب وحبهم للقراءة، دون التفكير في الربح المادي، فقد كان يعلم أن "روايات مصرية للجيب" لن تضاهي أرباحها ما يحققه كتاب "سلاح التلميذ"، بالطبع كان هناك هامش ربح يساعد على الاستمرار، لكنه لم يكن هدفه الأساسي.

اقرأ أيضا: خالد الصفتي: أحمد خالد توفيق كان متواضعا ودائم السخرية من الموت

عائلة فلاش

من حديثك عن الأستاذ حمدي مصطفى نرى أنه كان حالة مختلفة تماما؟

لم يكن الأستاذ مجرد ناشرا، فقد كان أديبا وله روايات وكتب تدرَّس في وزارة التربية والتعليم، وتمتع رحمه الله بحس فني عال جعله يتذوق الأعمال الأدبية جيدا، وهو ما أثر بالإيجاب في كل أعمال المؤسسة العربية الحديثة، حيث كان يتابع كل شيء بنفسه، من قراءة وتقييم وتعديل للأعمال الأدبية، كما كان يتمتع بقدرة مبهرة على توقع قدرات الكاتب ونجاحه من اللقاء الأول معه، وكان يكسب الرهان دائما وتصدق توقعاته. 

وأنا لا أبالغ حين أصفه بأحمد زويل الأدب والنشر، فقد كان يتملك حكمة كبيرة وذكاء متقدا تشعر به بمجرد النظر لعينيه، ويمتلك قدرة غير مسبوقة على جعل من يجلس معه يشعر بالراحة، وكأنه الشاطئ الهادئ والملاذ للجميع، ومنذ لقائي الأول معه أدركت أنه شخص غير عادي، وشعرت بأن علاقتي به لن تكون مجرد علاقة عمل فقط، وهو ما تحقق بالفعل، فلم يكن يتعامل معي كناشر، وإنما كأب حقيقي تعلمت منه الكثير، ولذلك شعرت باليتم بعد وفاته.

الناشر حمدي مصطفى

كيف كان يتعامل معكم وما هي أهم نصائحه؟

كان يتعامل مع الجميع بكل حب وحكمة، ويتفاني في عمله بشكل كبير، ومتميزا على المستوى الإنساني أيضا، حيث كان يعلم كل صغيرة وكبيرة عن موظفيه، وإن شعر في يوم من الأيام بحاجة أحدهم لأي شيء، لا يتأخر عن الوقوف بجانبه، كما كان يمنحهم وحدات سكنية في العقارات المملوكة له، وهو ما لا يفعله أحد الآن.

وكان يعطي كل كاتب النصائح التي يحتاجها، لكنه بشكل عام كان يحب اللغة العربية بشدة، ويغضب من أي أخطاء في قواعدها، وعلمني الكثير عن بحور اللغة والإعراب، وهو ما أثر في بالإيجاب إلى يومنا هذا.

وكان دوما يخبرني أنه يريد أن يجعل الشباب متعلقا بالثقافة، بدلا من المكوث أمام شاشة التلفزيون طوال الوقت.

اقرأ أيضا: صباحك روقان| اضحك مع أبطال فلاش وفيروس كورونا

حمدي مصطفى

لماذا لم يحصل على الاهتمام الإعلامي الذي يليق به؟

لإنه كان مهتما بشدة بشهرة المؤسسة العربية الحديثة وإصداراتها الثقافية بين الجمهور، ولم يكن مهتما بظهور اسمه إعلاميا، لدرجة أني سألته يوما عن ذلك السبب، قال لي إن المهم بالنسبة له هو اسم دار النشر و"سلاح التلميذ" و"روايات مصرية للجيب"، حتى تصل لمن يستهدفهم بالشكل الجيد، وهذا ما تسبب في نجاح مشروعه الثقافي بشدة إلى يومنا هذا، فتلك الإصدارات أصبحت خالدة في التاريخ الثقافي، ولن تتكرر مرة أخرى في عصرنا الحالي، مثلها مثل الأستاذ حمدي الذي كنت أعتبره ظاهرة لن تتكرر مرة أخرى، وأسعدني القدر بملازمتي له فترة طويلة من الوقت.

هل سيكون هناك عددا جديدا من "فلاش" في معرض الكتاب 2021؟

أشعر بالضيق لعدم طباعة أعداد "فلاش" القديمة مرة أخرى، لأن هناك أسباب فنية منعت طباعتها، وكانت هي السلسلة الوحيدة من روايات مصرية للجيب التي لم يتم طباعتها، وهو ما جعلني أخشى على ذلك التاريخ الأدبي من الاندثار، وأتمنى طباعتها مرة أخرى، لذلك لم أعمل على إصدار جديد حتى الآن.