جريدة الطريق رئيس التحريرمحمد عبد الجليل
الأحد 25 سبتمبر 2022 07:16 صـ 29 صفر 1444 هـ

في ذكرى رحيل صاحب مشروع القرن..

نبيل فاروق لـ”الطريق”: حمدي مصطفى كان موهوبا في اكتشاف المواهب

نبيل فاروق والناشر حمدي مصطفى
نبيل فاروق والناشر حمدي مصطفى

• أعطاني مبلغا ضخما في الثمانينيات قبل أن يوقع معي أي عقد

• كان متواضعا بشدة رغم كونه صرحا عملاقا في عالم الطباعة والنشر

• الطبعات الشعبية هي الحل لمواجهة مزوري الكتب

• أدعو دور النشر للتكاتف سويا في وجه القرصنة

دائما ما يكتب التاريخ عن شخصيات عديدة، منها من يذكره العالم بكل شر، ومنها من ينشرح صدر الجميع لمجرد ذكر اسمه، وفي عالم النشر والكتابة، يوجد رجل سطر اسمه بحروف من نور في عقل ووجدان كل من عاصره، رغم تواضعه الشديد، وإيثاره الابتعاد عن الشهرة والأضواء حتى اللحظات الأخيرة في حياته، إنه الناشر الراحل حمدي مصطفى، صاحب المؤسسة العربية الحديثة للنشر والتوزيع، وأحد أهم الناشرين في مصر والوطن العربي، الرجل الذي قدم أشهر وأهم كتّاب الشباب منذ الثمانينيات، وعلى رأسهم نبيل فاروق، وأحمد خالد توفيق، وخالد الصفتي، وشريف شوقي".

وتزامنا مع الذكرى التاسعة لوفاة الناشر الكبير، حاور "الطريق" الدكتور نبيل فاروق، أحد أهم أعمدة المؤسسة العربية الحديثة، حيث تحدث عن ذكرياته مع حمدي مصطفى صاحب "مشروع القرن" ومؤسس واحدة من أهم دور النشر في مصر والوطن العربي.

حمدي مصطفى

اللقاء الأول وترتيب القدر

يقول الدكتور نبيل فاروق إن ذكرياته مع الراحل حمدي مصطفى بدأت منذ أول مرة التقاه فيها، حيث بدأ الأمر عندما أرسل قصته الأولى من ملف المستقبل للمسابقة التي أعلنت عنها المؤسسة العربية الحديثة للنشر عام 1984، ومن مفارقات القدر أنه تقدم بالقصة في آخر دقيقة من يوم 31 يوليو، وهو اليوم الأخير لإرسال الأعمال، وبالطبع كان موقنا من أنهم لن يلتفتوا إليها.

ولأن القدر له ترتيبه الخاص، فوجئ الدكتور نبيل فاروق بخطاب بعد أسبوع من إرسال القصة، يطلبون منه فيه أن يأتي للتعاقد مع الدار، وهو ما أسعده كثيرا، لدرجة أنه سافر فجر اليوم التالي فورا من طنطا إلى القاهرة ليتم التعاقد.

دكتور نبيل فاروق

وعن اللقاء الأول مع حمدي مصطفى، قال إنه شعر بالراحة والاطمئنان منذ أول ثانية نظر فيها إلى وجهه، كأنه يعرفه منذ زمن طويل، مشيرا إلى أنه بادره بسؤال لم يكن في حسبانه عن أبطال قصته وقتها قائلا "هي الشخصيات دي هتبقى في شنطتك على طول؟"، وهو ما استشف منه الدكتور نبيل أنه يخطط لأن يحولها إلى سلسلة، لذلك رد عليه سريعا بالإيجاب، رغم أنه لم يكن يضع ذلك في خططه المستقبلية، فقد كان يعتقد أن الأمر مجرد قصة فازت في المسابقة فقط لا غير.

اقرأ أيضا: خالد الصفتي يكشف لـ”الطريق” سر ”فلاش”.. ويروي ذكرياته مع العبقري حمدي مصطفى

ويروي الدكتور نبيل فاروق موقفا غريبا حدث في اللقاء الأول مع الناشر الكبير، فبعد أن تحدثا كثيرا واستعد هو للذهاب إلى محطة القطار، أخبره الأستاذ حمدي مصطفى أن السائق الخاص به سيوصله، وبالفعل خرج متوجها إلى السيارة، وفجأة وجده يجري مهرولا من مكتبه إلى السيارة، فاندهش من الموقف متسائلا بينه وبين نفسه عن السبب وراء ذلك التصرف، ليفاجأ به يخبره أنهما أضاعا الوقت في الحديث ولم يوقع معه عقد النشر بعد، فأخبره الدكتور أن الأمر يسير، ومن الممكن التوقيع في اللقاء المقبل، ليباغته قائلا "لأ ما تمشيش كده"، ويعطيه 500 جنيه على سبيل العربون، وهو ما أدهشه بشدة، حيث اكتشف أن الرجل وثق فيه من اللقاء الأول، وأعطاه مبلغا ماليا ضخما بمعايير الثمانينيات، قبل أن يوقع معه أي عقد.

ملف المستقبل

مشروع القرن ورحلة النجاح

لا يخفى على أحد نجاح الدكتور نبيل فاروق مع الراحل حمدي مصطفى، فالكاتب الشهير لمع اسمه بشدة مع المؤسسة العربية الحديثة، وسرعان ما أصبح محل ثقة الناشر المخضرم.

ويقول مؤلف "رجل المستحيل" إنه لم يكن قد استقر على اسم سلسلة الخيال العلمي الشهيرة رغم فوزه بالمسابقة، قبل يأتي له اسم "ملف المستقبل" في جلسة من جلساتهما معا، مضيفا أن الرجل كان يعامله بمنتهى الود والبساطة، وهو ما شجعه بعد مرور أسبوع على لقائهما الأول، أن يعرض عليه فكرة سلسلته التي نالت شهرة واسعة بعد ذلك، ليفاجأ به صباح اليوم التالي يخبره بموافقته عليها، ويطلب منه أن يبدأ فيها هي الأخرى على الفور، وهو ما أسعد الطبيب الشاب وقتها بشدة، لأن البطل "أدهم صبري" رفضته 6 دور نشر من قبل، بينما قبله حمدي مصطفى بمنتهى السهولة، وبالفعل خرجت السلسلتان للنور، لتصبح "ملف المستقبل" و"رجل المستحيل" من أشهر وأهم أعمال نبيل فاروق والمؤسسة العربية الحديثة، قبل أن يصدر بعد ذلك 13 سلسلة تحمل اسمه، حققت جميعها نجاحا كبيرا.

روايات مصرية للجيب

ورغم نجاح المؤسسة العربية الحديثة في إصداراتها التعليمية من الكتب الخارجية مثل "سلاح التلميذ، وteacher، والمعلم"، إلا إن حلم حياته كان إصدار الروايات للشباب، وكان يحب هذا الأمر بشكل يفوق حبه لأي شيء آخر، ووفقا للدكتور نبيل فاروق، كان منتهى أمله أن تصدر دار النشر 100 رواية، ومد الله في عمره ليرى آلاف الرويات الصادرة عن المؤسسة من المحيط إلى الخليج، وذلك لظهور تلك الأعمال في فترة ماتت فيها القراءة، حيث أعاد الراحل الحياة إليها مرة أخرى في الثمانينيات، فقدم للشباب العديد من الروايات العربية التي أسماها "مشروع القرن"، بدأها بسلسلة "ملف المستقبل"، أول روايات خيال علمي عربية، والتي كان يعتز بها حمدي مصطفى كثيرا.

اقرأ أيضا: نبيل فاروق.. ملك روايات الشباب

ويصف دكتور نبيل حمدي مصطفى بأنه كان موهوبا في اكتشاف المواهب، حيث كان يشعر وهو بالقرب منه أنه يتملك حاسة قوية تمكنه من التعرف على الموهبة واكتشافها في ثانية، ومن فرط حبه لمشروع روايات مصرية للجيل، كان يقرأ بنفسه كل الأعمال التي يتم تقديمها للدار من مختلف الكتاب لتقييمها.

رجل المستحيل

أما عن نصائح حمدي مصطفى لكتاب الدار، فيروي كاتب أدب الجاسوسية الشهير أنه كان دائما يؤكد على ضرورة الكتابة باللغة العربية الفصحى البسيطة سهلة الهضم، التي يكون بمقدور كل الشباب استيعابها، وزرع الثقافة العربية المصرية في القراء، مع رفضه التام لإي إيحاءات لا أخلاقية في الروايات، لدرجة إنهم عندما أصدروا سلسلة "زهور" كان شعارها أنها "السلسلة الرومانسية الوحيدة التي لا يجد الأب أو الأم حرجا من وجودها بالمنزل".

حكمة وتواضع وكرم

لأن الكرم والتواضع من شيم العظماء، لم يكن غريبا على حمدي مصطفى أن يشتهر بكرمه الشديد، فيقول نبيل فاروق إنه كان دائما ما يخجله بكرمه الشديد، ونظرا لأنه يعاني من متاعب صحية كثيرة، وصفها مازحا بأنه ورث كل أمراض العائلة، لم يكن يتخلى عنه في أي ظرف صحي مر به، وكان يحبه ويقدره بشدة، لدرجة أن أبناء الناشر الشهير أخبروه مؤخرا أنه كان يحبه أكثر منهم، وذلك بسبب وجود لغة حوار بينهما كانت تجعلهما قريبان بشدة من بعضهما، فلم تكن العلاقة بينهما هي علاقة ناشر بكاتب، وإنما كانت أكثر من ذلك بكثير، لدرجة أنه اعتبره كاتم سره وربيبه، بحسب وصف الدكتور نبيل.

الناشر حمدي مصطفى

كما تمتع حمدي مصطفى بالتواضع الشديد، حيث كان من أنصار العمل في صمت، ولم يكن يهمه في يوم من الأيام أن يقوم بالدعايه لنفسه، رغم براعته الشديدة في الدعاية للكتب، ويقول دكتور نبيل إنه كان متواضعا بشكل غريب جدا، رغم كونه أحد الصروح العملاقة في عالم الطباعة والنشر، لدرجة أنه عندما كان يطلب للحديث في برامج تلفزيونية عن روايات مصرية للجيب في عصرها الذهبي، كان يطلب منه أن يتحدث بدلا عنه، لأنه لم يكن مفتونا بالمظاهر نهائيا، كما كان ديمقراطيا كبيرا في عمله، وعندما كانا يختلفان معا كان يسمح له بتنفيذ وجهة نظره طالما أنه اقتنع بها في النهاية.

نبيل فاروق ومهرجان تكريم حمدي مصطفى

وعرفانا بجميل الناشر حمدي مصطفى، يخطط الدكتور نبيل فاروق بصفته مسؤولا عن النشر في المؤسسة العربية الحديثة، تنظيم مهرجانا كبيرا في يوم ميلاده الموافق 13 ديسمبر، حيث سيتم نشر كتبه القديمة التي كتبها بنفسه، ومنها رواية "جول جمال" التي كانت مقررة على طلبة الثانوية العامة، وتحدثت عن البطل السوري المسيحي الذي استشهد في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وعن جديد المؤسسة العربية الحديثة في معرض الكتاب 2021، قال الدكتور نبيل فاروق إن المؤسسة ستعيد طبع الإصدرات القديمة، وستصدر سلسلتين جديدتين، الأولى هي "سوبر ميجا"، والتي تضم أفضل أعمال كتاب المؤسسة خلال السنة.

نبيل فاروق

أما السلسة الثانية فتحمل اسم "مختارات نبيل فاروق"، وهي تضم أعمال الكتاب الهواة الجدد التي تنشر لأول مرة، وهي محاولة لإتاحة الفرصة أمام الشباب لنشر أعمالهم بعيدا عن استغلال دور النشر التي تأخذ من الكاتب أموالا من أجل نشر كتاباته.

وأضاف الدكتور نبيل أنه سيقوم بعمل استفتاء خاص على الإنترنت بعد صدور تلك السلسلة، حتى يختار القراء أفضل كاتب فيها ليبدأ في إصدار كتبه الخاصة مع المؤسسة العربية الحديثة.

اقرأ أيضا: الدكتور نبيل فاروق يكشف لـ”الطريق” خدعة فيروس كورونا 2020

أما عن أعماله الأدبية الجديدة في معرض الكتاب 2021، قال الدكتور نبيل فاروق إن سلسلة "سوبر ميجا" ستضم قصة واحدة فقط له، مضيفا أنه يعمل الآن على رواية خيال علمي جديدة بعنوان "الجسر الرمادي"، لكنه لا يعتقد أنها ستنشر في معرض الكتاب المقبل.

الطبعة الشعبية لمواجهة تزوير الكتب

وفي نهاية حديثه مع "الطريق" تحدثنا مع الدكتور نبيل فاروق عن أزمة تزوير الكتب التي تؤرق الكثير من الناشرين وتلحق بهم خسائر مادية كبيرة، نتيجة إحجام القراء عن شراء إصداراتهم، والسعي وراء النسخ المقلدة بسبب سعرها الرخيص، في ظل عدم وجود قوانين رادعة لهذا النوع من القرصنة، ليخبرنا أنه يسعى بصفته المسؤول عن النشر في المؤسسة العربية الحديثة، لمواجهة مزوري الكتب والروايات، عن طريق إصدار طبعات شعبية من إصدارات المؤسسة.

اقرأ أيضا: نبيل فاروق لـ"الطريق": أحمد خالد توفيق لم يكن إخوانيا.. وهذه تفاصيل آخر مكالمة بيننا

مضيفا أن الطبعات الشعبية ستكون بمثابة مقاومة لقرصنة الكتب وتزوريها، وموجها الدعوة لجميع الناشرين لإصدار طبعات شعبية من أعمالهم، حيث يرى أن ذلك سيلحق الخسائر بالمزورين، لإن دور النشر ستكون هي الأرخص بالطبع، فهي تشتري الورق بكميات كبيرة، وتمتلك إمكانيات الطباعة الجيدة.

وأضاف فاروق أن الحرب ضد المزورين في ظل عدم وجود قوانين صارمة تردعهم، يجب أن يتكاتف فيها الناشرين جميعا، ولا ينتظرون تحرك الدولة لإيقاف الأمر.