جريدة الطريق رئيس التحريرمحمد عبد الجليل
الإثنين 3 أكتوبر 2022 09:12 صـ 8 ربيع أول 1444 هـ

نبض الخلود باق رغم الوداع

نبيل فاروق .. الرواية التي لم تنته

الكاتب الراحل نبيل فاروق
الكاتب الراحل نبيل فاروق

• غابت روح الكاتب الكبير.. لكن صفحات ملفه الخالد لن تغلق

• قال عنه أحمد خالد توفيق إن كتباته أثرت في الشباب بشكل لم يفعله "دستويفسكي" نفسه

• جهاز المخابرات ينعى مؤلف رجل المستحيل عرفانا بالجميل

• تلاميذه: كان بمثابة وزارة ثقافة وتربية وتعليم وهيئة علمية وجامعة شاملة

عندما مالت شمس يوم الأربعاء في التاسع من ديسمبر الماضي إلى المغيب، لم يغب نورها فقط وقتها، فقد كانت القلوب على موعد مع قبضة من فولاذ تعتصرها بعنف، وشعر عدد كبير من مواليد ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بغصة في حلوقهم، ولوهلة أحسوا بفقدان القدرة على التفكير، ولم لا، فقد غابت شمس معلمهم دون أمل في أن تشرق مرة أخرى، رغم ثقتهم في بقاء نوره إلى الأبد حيث حمل مغرب ذلك اليوم الحزين نبأ رحيل الكاتب الأسطورة، إنه النبيل.. نبيل فاروق.

فوسط ذهول كل من تربى على كتاباته التي أضاءت عقول الجميع منذ أكثر من 35 عاما، وزرعت حب الوطن والقيم والأخلاق النبيلة فيهم، توفي الدكتور نبيل فاروق، رائد أدب الجاسوسية والخيال العلمي في مصر والوطن العربي، وصاحب السلسلتين الشهيرتين "رجل المستحيل"، و"ملف المستقبل"، ليلحق برفيق دربه أحمد خالد توفيق الذي سبقه منذ سنتين مسببا الألم نفسه.

اقرأ أيضا: نبيل فاروق يكشف لـ”الطريق” سر صورة نادرة جمعت بينه وبين العراب منذ 42 عاما

ولأنه من القلائل الذين يتركون بصمة حقيقية في كل من يعرفهم عن قرب -أو حتى عن بعد- كانت الصدمة أكبر من قدرة البعض على الاحتمال، وراح الجميع ينعيه بكلمات تجعل القلوب نفسها تبكي قبل الأعين، وبما كان النعي الأبرز لأسطورة أدب الشباب، هو نعي جهاز المخابرات العامة المصرية له، في لمحة وفاء وتقدير وعرفان لما زرعه من حب الوطن في قلوب الشباب المصري والعربي.

أصدقاء الورق يروون ذكرياتهم مع نبيل فاروق

ربما غابت روح الدكتور نبيل فاروق، لكن صفحات ملفه الخالد لن تغلق، وسيظل دائما نبض خلوده في قلوب كل من يعرفه، وقد لا يتمكن أحد من تحطيم أرقامه القياسية في مجاله، فقد وصفه الدكتور أحمد خالد توفيق، بأن أعماله من الأمثلة النادرة لأدب المغامرة المكتوب بالعربية، حيث كتب في كل الموضوعات، وتربت على أعماله عدة أجيال ساهم في تشكيل وعيها ووجدانها، لذك فهو شديد الأهمية إلى حد لا يوصف، وأثر في الشباب بشكل لم يقدر أن يفعله "دستويفسكي" نفسه.

وكان الراحل قد خصص مساحة مميزة لبريد القراء وكتاباتهم على صفحات سلسلة "كوكتيل 2000"، أطلق عليها "أصدقاء الورق"، تواصل فيها مع شباب القراء الذين أصبحوا اليوم رجالا.

اقرأ أيضا: أسطورة نبيل فاروق لا تموت.. صدقة جارية من تلاميذ الأستاذ لروحه عرفانا بالجميل

ولم تجد "الطريق" أفضل من أصدقاء ورق نبيل فاروق للحديث عنه وعن ذكرياتهم معه بعد وفاته.

البداية كانت مع الدكتور هاني حجاج، أحد كتاب المؤسسة العربية الحديثة التي شهدت مولد موهبة أسطورة أدب الشباب، والذي قال إن التأثير الذي تركه الراحل في كل من قرأ له يعتبر مميزا ويندر أن يحدث مع كاتب غيره، مؤكدا أنه يمكن القول بمنتهى الثقة أن أي مؤلف يكتب الآن، سواء في الروايات، أو الصحافة، أو الدراما، يدين بالفضل الأول لدكتور نبيل فاروق الذي قدّم لنا الرواية والعلم والفن وكل شيء تقريبا،عندما لم يكن هناك على الساحة سوى كتب الأدب العملاقة وقصص الأطفال ولا شيء للشباب.

ويضيف حجاج لـ"الطريق"، أن الراحل ظل يمارس رسالته لسنوات وسنوات كتب فيها مئات الألغاز البوليسية، "ع×2 ولغز زووم"، والمغامرات البوليسية في عالم المخابرات "رجل المستحيل، الفريق صفر"، وموسوعة الخيال العلمي "ملف المستقبل"، والمكتبة الكاملة للروايات والقصص والمقالات والدراسات (كوكتيل 2000 وبانوراما)، والباقة الرومانسية (زهور)، ومئات الكتب والكوميكس في مجلات الشباب والناشئة والأطفال، حيث خاض في كل مجال، وكتب في كل صنف، وأصبح ما أنتجه وحده يفوق ما قدمه إيان فليمنج، وآرثر كونان دويل، وأجاثا كريستي، ودان براون، وستيج لارسن مجتمعين! مع ملاحظة أن كافة أعماله أخلصت لمنهجه الأخلاقي النظيف، فلا عبث أو ألفاظ مشينة أو متع رخيصة، أي أنه وحده كان بالنسبة لأجيال كاملة بمثابة وزارة ثقافة وتربية وتعليم، ومكتبة عامة، وهيئة علمية وجامعة شاملة.

واستطرد قائلا "ندين له بكامل معارفنا للمصطلحات الصعبة وتقنية الكتابة وفهم البناء الدرامي، ولولاه لسقطنا في رذائل كثيرة مضيعة للوقت والهمم، فاستحق أن يكون ملء السمع والبصر، في زمن لا يعرف مواقع التواصل لكن كنا جميعا نرتبط فيما بيننا باسمه الذي كان يكفي أن تراه لتتحمس، ومع ذلك كله كان يجد من الوقت ما يكفي ليقدم كتابات القراء، وأسماء كثيرة في قوائم الأعلى مبيعا الآن ظهرت أول قصة قصيرة لها في باب عزيزي القاريء في سلسلته كوكتيل، بل إن طائفة من أشهر الناشرين حاليا خرجوا من تجربته الخاصة في النشر (المبدعون).

ويختتم حجاج حديثه "عن نفسي حصلت على عدة جوائز أدبية لها وزنها لكن كلها لا تساوي نشوة فوز أول رواية كتبتها بجائزته (أوسكار رجل المستحيل)، ولا أنسى ما حييت أنه بينما الرفاق يتكاسلون ويتعففون عن المجاملات كان هو الوحيد الذي بحث عن رقم هاتفي لتهنئتي على صدور أول رواياتي ضمن روايات مصرية للجيب في المؤسسة العربية الحديثة التي أخرجت أعماله للنور، وبينما يظن البعض أن الرجل يستحق برجا عاجيا، كان يسعد كالأطفال بكل اهتمام أو ملاحظة تخص أثره علينا، ولن أنسى الإشراق الذي أصاء وجهه في الأيام الأخيرة قبل وفاته وكنا نراجع معا غلاف آخر أعماله (يوميات آخر البشر) حيث تنبهت إلى أن فونت اسمه يجب أن يكون أكبر بما يليق به، وعلى استحياء عرضت عليه صورة منتشرة على فيسبوك لمراهق يقرأ العدد الأخير من ملف المستقبل في مترو الأنفاق، فأضاء وجهه الحبيب بألف شمس من الحب والعرفان.

تشجيع نبيل فاروق لمحبيه من المبدعين

ويروي الكاتب الشاب عمرو عز الدين ذكرياته مع أول اتصال هاتفي مع أستاذه قائلا "في إحدى أعداد سلسلة (كوكتيل 2000) وجدت رقم هاتف أرضي يبدأ بكود القاهرة، يعلن عنه نبيل فاروق بنفسه في باب بريد القراء، فاشتعلت حماستي وقررت الاتصال به بلا هدف، وظللت أتردد مرة تلو الأخرى، حتى تغلبت على حرجي يوما واتصلت به، وبعد ثوان سمعت ردا من صوت رفيع إلى حد ما -عكس ما تخيلت من صورته- فسألته: حضرتك د. نبيل فاروق؟ وحين جاء الرد بالإيجاب، انعقد لساني رهبة وتوقفت أنفاسي عن التردد لأجزاء من الثانية، وانحبست الكلمات ولم أجد ما أقوله بالفعل سوى سؤال سخيف عن مصير أحد الأبطال، وكانت إجابته بلا فائدة فهو لن يكشف مصير أبطاله لقارئ عابر يتصل به فقط ليسمع صوته بالطبع.

اقرأ أيضا: نبيل فاروق لـ”الطريق”: حمدي مصطفى كان موهوبا في اكتشاف المواهب

ويضيف عز الدين "شجعني دكتور نبيل دون علم منه على الكتابة، وحين بدأت أكتب في بداية التسعينات لم أجد سوى شخصياته لأبدأ بها، فكتبت أعدادا من رجل المستحيل وفارس الأندلس وملف المستقبل، وصنعت بهم مغامرات أخرى كنت أحسبها مثيرة وقتها، وعد أعوام التقيته في معرض القاهرة للكتاب، خلال ندوات كنت أحد منظميها ما أتاح لي التعامل مباشرة معه، لأجدني ما زلت أحمل الانبهار والرهبة التي رافقتني خلال مكالمتي الأولى معه طفلا، فأنسى التقاط صورة معه، وأتجمد عند التحدث إليه".

واختتم عمرو حديثه قائلا "حين كنت أنشر مؤلفاتي الخاصة مع دار نشر (ليلى) ذائعة الصيت في بداية الألفية الجديدة، جمعني به لقاء في معرض الكتاب وسمعته يشيد ببعض الأسماء الشابة الجديدة ممن لهم أعمالا منشورة، وكان اسمي ضمن هذه الأسماء، دون أن يعرف أن الشاب الواقف إلى جواره هو من ذكر اسمه للتو، فتجمدت من جديد، وأخبرته بصوت مبحوح أنه أنا فلان، فابتسم لي وشجعني وتمنى لي مزيدا من التوفيق".

أما الكاتب والروائي ولاء كمال، فروى لـ"الطريق" تجربته الأولى في عالم الصحافة، حين أجرى حوارا مع دكتور نبيل فاروق، وقت تدريبه في مجلة (الشباب)، وهو لم يزل طالبا في السنة الثانية بكلية الإعلام عام 2003، واصفا كيف كان الأمر مربكا في البداية ثم تحل لأحد الذكريات الجميلة في حياته.

يقول ولاء "كنت صغيرا في السن، ولم يستوعب وقتها الدكتور نبيل أني أنا من سيجري معه الحوار، لذا ظهرت علامات الضيق على وجهه، وأصر على عدم تجاوز الحوار معه 20 دقيقة فقط لارتباطه بمواعيد هامة، لكن بعد 15 دقيقة بدأ الأمر يتغير تماما، ووجدت منه اهتماما وإعجابا بأسئلتي، ليمتد الحوار إلى أكثر من ساعتين، حتى أني أحسست بأن الرجل من ألطف الشخصيات التي قابلتها في حياتي".

اقرأ أيضا: نبيل فاروق لـ”الطريق”: الطبعات الشعبية هي الحل لمواجهة مزوري الكتب

ويضيف الكاتب الشاب لـ"الطريق" أنه بعد انتهاء الحوار سلم عليه نبيل فاروق بحرارة شديدة، وشكره قائلا "أنا في الأول كنت مستاء إزاي يبعتولي حد صغير كده وهما عارفين إني مبعملش حوارات صحفية كتير وبكره أضيع وقتي، بس حقيقي إنت فاجئتني واحترمتك جدا وبقالي سنين متبسطش بحوار كدا وحاسه مفيد جدا للناس".

ويختتم ولاء حديثه قائلا "حصلت على مكافأة 50 جنيها بسبب ذلك الحوار، واستدعاني الأستاذ عبد الوهاب مطاوع ليثني على ما كتبت، ويوصني وصية صادقة، وهي أن الموهبة دون عمل جاد ومستمر لا تساوي شيئا، وهذا ما كنت قد تعلمته بالفعل من لقاء دكتور نبيل".

محبي نبيل فاروق: بدأنا القراءة على يده

وكما روى شباب الكتاب ذكرياتهم مع الكاتب الراحل، كان للقراء أيضا نصيب من هذا الحديث، حيث خصصوا جروب خاص على فيس بوك باسم "محبي د. نبيل فاروق"، وبدأوا يستعيدون فيه ذكرياتهم معه، فكتبت ندى أيمن "كان صديقي القريب البعيد الذي كنت ألتقيه كنت التقيه كل يوم بين أسطر رواياته ليتحدث معي كثيرا كثيرا يروي لي عن أشخاص اسمهم في خيالي وكأني في عالمهم، ولم يكن كاتبي المفضل والأقرب فقط، بل كان أول كاتب اقرأ له، علمني القراءة، وعلمني كيف أختار ما أقرأ"، بينما كتبت دينا "أول ما ابتديت أحب القراءة كان على يده، كنت لسه ١٢سنة، فتحت عنيا على كتباته وقصصه اللى أثرت فيا كتير واتعلقت بيها، وكانت جزء من بناء شخصيتى، غير العالم الواسع والمعلومات الغزيرة اللى فتحت قدامى العالم، وكانت مكافأتى بعد أى نجاح حتى لو صغير، إنى أجيب العدد الجديد من رواياته، ولحد ماخلصت جامعه وبقيت أم لسه رواياته بقرأها وأكررها، وهتفضل موجودة على طول، ربنا يرحمك يا دكتور".

وكتب ياسر دويدار، عضو اتحاد الكتاب العرب "أنا نشأت على روايات د. نبيل فاروق منذ عام 1982، ومتابع رجل المستحيل وملف المستقبل وع *2، وكنت بنتظر جدا صدور الروايات كل شهر، ولما كنت لا أطيق الانتظار بتوجه إلى مقر التوزيع عندما كان أمام محطة قطار المندرة، وعندي الان 95% من أعداد رجل المستحيل وملف المستقبل، وها أنذا أبلغ من العمر 48 عاما، وأدين للدكتور نبيل فاروق بالفضل والعرفان، وكانت صدمة عندما علمنا بخبر وفاته، والعزاء الوحيد أنه في مكان أفضل.

بالطبع هناك آلاف الرسائل والذكريات التي دونها محبي نبيل فاروق عنه أستاذهم ومعلمهم بكل صدق وحب وعرفان، ولن تتسع صفحات العدد بأكمله لذكرها، لكنها بالتأكيد ستصل لصاحبها في العالم الآخر، ليبتسم في ود كعهدنا به دائما، ويشعر بالرضا عن تلاميذه الذين صانوا جميله كما عودهم.

وختاما.. دعونا نستعير أسلوب الراحل وكلماته التي سطرها في وداع "رجل المستحيل"، ولم لا؟ فهو أسطورة..

والأساطير لا تفنى ولا تموت أبدا..

وأسطورته بالتحديد، مع تاريخها الحافل، ستظل حتما أسطورة فريدة في سجل الأساطير، أسطورة تحمل اسما شديد التميز لرجل واحد..

رجل حفر اسمه بحروف من ذهب في عقول وقلوب القراء وزرع فيهم حب هذا الوطن..

رجل ظلت مصر في وجدانه حتى آخر لحظة في حياته..

الرجل الأديب..

أديب المستحيل.

موضوعات متعلقة