الطريق
الخميس 3 سبتمبر 2026 03:02 صـ 19 ربيع أول 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
الإعلامي ياسر فضة يفتح النار على مفارقات الرياضة المصرية: الملايين تنهمر على كرة القدم وأبطال الأولمبياد بلا مأوى ياسر فضة عن صلح طارق الشناوي ومصطفى كامل: كلمة ”نشاز” تقييم فني ولا تعني السب والقذف ياسر فضة: أول بطل لأفريقيا يواجه شبح الاندثار.. أنقذوا قلعة الدراويش قبل فوات الأوان بـ 23 مليار دولار تبادل تجاري متوقع.. اقتصادي يكشف ثمار الشراكة التاريخية بين القاهرة وبكين الإعلامي ياسر فضة: الشارع المصري كشف إعلام المرتزقة وأسقط سموم الشائعات لو اكتشفت خط غريب باسمك.. محام يكشف عن أول خطوة قانونية لحماية نفسك النائبة ولاء هرماس: تفاجأت بوجود 6 أرقام مسجلة باسمي دون علمي اقتصادي يطرح روشتة عاجلة: تحويل الديون إلى استثمارات مباشرة يخدم الاقتصاد ويقلل البطالة اقتصادي: مقترح نقل ملكية قناة السويس للبنك المركزي باطل دستوريًا واقتصاديًا ولا يخدم خفض الدين العام اقتصادي: 12 مليار دولار استثمارات صينية على أرض مصر أمين التنظيم بالجيزة .. «حماة الوطن» بالجيزة يفتتح معرض «أهلاً مدارس» ومقر أمانة الصف عبد المقصود : 7 ذهبيات تؤكد قوة الاثقال.. وإدريس منح البعثة ثقلا كبيرا ..ودعمنا من البداية للنهاية

شحاته زكريا يكتب: حين تغيب الحقيقة ويعلو الدخان.. قراءة في معركة الوعي وسط ركام الحرب


في زمن تحول فيه الهاتف المحمول إلى قمر صناعي صغير وصار المواطن البسيط مراسلا متجولا يحمل الكاميرا في جيبه تبدو "الحقيقة" وكأنها آخر من يصل إلى المشهد. نعيش اليوم وسط حرب معقدة بين طهران وتل أبيب ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل حرب شاملة تنطلق فيها القذائف في السماء بالتزامن مع القنابل النفسية والمعلوماتية في الفضاء الإلكتروني. وبينما تتساقط الصواريخ على الأرض ، تتناثر معها شظايا الإدراك، والتأويل، والضجيج.

إن أكثر ما يميز هذه المواجهة ليس ما يُرى بل ما يُخفى. ورغم أننا نعيش فيما يُسمى بـ"عصر الشفافية"، فإن التعتيم المقصود والمدروس من جميع الأطراف يكشف أن السلاح الأكثر فتكا لم يعد القنبلة الذرية ، بل المعلومة المنتقاة ، المجتزأة التي تُقدم بجرعة محسوبة للمتلقي لا لتنويره ، بل لتوجيهه.

تبدو إسرائيل كما إيران مدركة تماما أن السيطرة على الرواية الإعلامية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. إسرائيل تخفي خسائرها بدقة، ليس فقط عن الرأي العام العالمي بل عن جمهورها الداخلي لحماية تماسك جبهتها الاجتماعية ومنع تآكل الثقة في "قداسة الردع". في المقابل تنتهج طهران خطابا عاطفيا شعبيا يُغرق المتابع في شعارات المجد والمقاومة لكنها تُبقي التفاصيل الدقيقة طي الكتمان وكأنها تعرف أن الشفافية الكاملة قد تقود إلى الهشاشة بدل الصلابة.

هكذا تتشكل شبكة معقدة من الروايات المتضاربة. الإعلام الغربي يقرأ الأحداث من زاوية مصالحه والإعلام العربي يعاني في كثير من الأحيان من أسر الرواية المعلبة والمحللون "الاستراتيجيون" يكررون ما يُهمس به في غرف الاستخبارات ثم يُصدّر على أنه تحليل. أما الشعوب فهي ضحية هذا التدافع المعلوماتي لا تعرف أين تقف الحقيقة ولا تملك سوى أن تتنقل بين الشاشات والهواتف ، بحثا عن بصيص صدق وسط زحام الأصوات.

ما يجري الآن هو أخطر من مجرد تصعيد عسكري. نحن أمام "حرب وعي" تلعب فيها كل جهة بورقة الخوف والتضخيم والتقليل بحسب اللحظة والهدف. الخطر لا يكمن في الصاروخ بل في الرواية المصاحبة له. فالصاروخ الذي يسقط في تل أبيب قد يُقال إنه أصاب مصنعا للكيماويات ، أو يُقال إنه سقط في صحراء خالية. ذات القذيفة لكن بمفعولين نفسيين مختلفين كليا. وهنا يكمن جوهر التعتيم: إدارة الخوف لا عبر الصدمة بل عبر التحكم في معناها.

لكن الأكثر خطورة أن هذا التعتيم لا يُنتج فقط جهلا بالمعلومة بل يُنتج جهلا بالتاريخ والمستقبل. حين تغيب الحقائق تتحول الشعوب إلى أدوات في خدمة سرديات الآخرين. يغيب الأمل وتُحقن العقول بسرديات الهزيمة والعجز ويبدو الطريق إلى النصر مستحيلا لا لأن المعركة حُسمت بل لأن الرواية زُوّرت.

وسط هذا الظلام يبرز سؤال: ما دورنا نحن كمجتمعات، ومثقفين، وإعلاميين؟ هل نقف متفرجين نعيد إنتاج الدعاية أم نحاول – ما استطعنا – أن نعيد للوعي كرامته؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة هو أن نعتاد التعتيم أن نصبح غير مكترثين إن كنا نعرف الحقيقة أم لا. فحين تذبل الرغبة في المعرفة تموت الأمة روحيا، حتى وإن بقيت جسديا على قيد الحياة.

ربما لن نعرف الآن من كسب ومن خسر في هذه الجولة بين طهران وتل أبيب. ما نعرفه وما يجب أن ننتبه له هو أن المعركة ليست فقط على الحدود، بل في العقول وإسرائيل تعلم ذلك وكذلك إيران وكذلك القوى الكبرى التي تراقب المشهد وتنسج خيوطها بخيوط الذهب والنار معًا.

التعتيم إذن، ليس مجرد "غياب للمعلومة"، بل هو سلاح استراتيجي فتاك قد لا يُسمع صوته، لكن أثره أعمق من كل انفجار وحده الوعي المستقل، اليقظ، القادر على أن يقرأ ما بين السطور هو الذي يملك أن يحمي الشعوب من التحول إلى مجرد مفعول به في جملة سياسية طويلة لا نعلم من كتبها ولا متى ستنتهي.

موضوعات متعلقة