الطريق
الأحد 19 يوليو 2026 03:26 مـ 3 صفر 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
الوحدة المحلية لمركز دشنا بقنا تعلن عن موعد بدء رصف طريق العزب المصري شؤون البيئة بقنا تنظم ندوة توعوية ”وطن أخضر لمستقبل أفضل” بمركز الشبان المسلمين بنجع حمادي محافظ جنوب سيناء يبحث مع مدير إدارة المرور إطلاق منظومة التاكسي الذكي والإفراج المشروط عن مركبات الإسكوتر المضبوطة وزير العدل يفتتح فرع توثيق بنك مصر بالتجمع الخامس ضمن خطة التوسع في الخدمات الرقمية صرف المرحلة الأولى من المبادرة الرئاسية”مصر معاكم” للقُصر أبناء شهداء القوات المسلحة والشرطة المدنية والضحايا القُصر من المدنيين متحدث الزراعة يفجر مفاجأة.. ويكشف حقيقة زيادة وزن الموز 80% بعد الحصاد|فيديو وزارة العدل تدفع بسيارات التوثيق المتنقلة للساحل الشمالي والقاهرة الكبرى استجابةً للكثافات الجماهيرية وتيسيراً على المواطنين وداعًا للعشوائية.. منصة «رحلة» تدير الزيارات المدرسية إلكترونيًا| فيديو رفض الأجازة البرلمانية.. محمد فؤاد: 3 ملفات مينفعش تتأجل بعد فض دور الانعقاد|فيديو مروة عثمان تكتب: كيف تقضي إجازة صيفية سعيدة؟ رسميًا.. البحوث الزراعية: الخطة الجديدة تمنع قتل حيوانات الشوارع بالسموم|فيديو الأرجنتين ضد إسبانيا.. ناقد رياضي يفجر مفأجاة ويكشف سر القمة المنتظرة|فيديو

شحاته زكريا يكتب: حين تغيب الحقيقة ويعلو الدخان.. قراءة في معركة الوعي وسط ركام الحرب


في زمن تحول فيه الهاتف المحمول إلى قمر صناعي صغير وصار المواطن البسيط مراسلا متجولا يحمل الكاميرا في جيبه تبدو "الحقيقة" وكأنها آخر من يصل إلى المشهد. نعيش اليوم وسط حرب معقدة بين طهران وتل أبيب ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل حرب شاملة تنطلق فيها القذائف في السماء بالتزامن مع القنابل النفسية والمعلوماتية في الفضاء الإلكتروني. وبينما تتساقط الصواريخ على الأرض ، تتناثر معها شظايا الإدراك، والتأويل، والضجيج.

إن أكثر ما يميز هذه المواجهة ليس ما يُرى بل ما يُخفى. ورغم أننا نعيش فيما يُسمى بـ"عصر الشفافية"، فإن التعتيم المقصود والمدروس من جميع الأطراف يكشف أن السلاح الأكثر فتكا لم يعد القنبلة الذرية ، بل المعلومة المنتقاة ، المجتزأة التي تُقدم بجرعة محسوبة للمتلقي لا لتنويره ، بل لتوجيهه.

تبدو إسرائيل كما إيران مدركة تماما أن السيطرة على الرواية الإعلامية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. إسرائيل تخفي خسائرها بدقة، ليس فقط عن الرأي العام العالمي بل عن جمهورها الداخلي لحماية تماسك جبهتها الاجتماعية ومنع تآكل الثقة في "قداسة الردع". في المقابل تنتهج طهران خطابا عاطفيا شعبيا يُغرق المتابع في شعارات المجد والمقاومة لكنها تُبقي التفاصيل الدقيقة طي الكتمان وكأنها تعرف أن الشفافية الكاملة قد تقود إلى الهشاشة بدل الصلابة.

هكذا تتشكل شبكة معقدة من الروايات المتضاربة. الإعلام الغربي يقرأ الأحداث من زاوية مصالحه والإعلام العربي يعاني في كثير من الأحيان من أسر الرواية المعلبة والمحللون "الاستراتيجيون" يكررون ما يُهمس به في غرف الاستخبارات ثم يُصدّر على أنه تحليل. أما الشعوب فهي ضحية هذا التدافع المعلوماتي لا تعرف أين تقف الحقيقة ولا تملك سوى أن تتنقل بين الشاشات والهواتف ، بحثا عن بصيص صدق وسط زحام الأصوات.

ما يجري الآن هو أخطر من مجرد تصعيد عسكري. نحن أمام "حرب وعي" تلعب فيها كل جهة بورقة الخوف والتضخيم والتقليل بحسب اللحظة والهدف. الخطر لا يكمن في الصاروخ بل في الرواية المصاحبة له. فالصاروخ الذي يسقط في تل أبيب قد يُقال إنه أصاب مصنعا للكيماويات ، أو يُقال إنه سقط في صحراء خالية. ذات القذيفة لكن بمفعولين نفسيين مختلفين كليا. وهنا يكمن جوهر التعتيم: إدارة الخوف لا عبر الصدمة بل عبر التحكم في معناها.

لكن الأكثر خطورة أن هذا التعتيم لا يُنتج فقط جهلا بالمعلومة بل يُنتج جهلا بالتاريخ والمستقبل. حين تغيب الحقائق تتحول الشعوب إلى أدوات في خدمة سرديات الآخرين. يغيب الأمل وتُحقن العقول بسرديات الهزيمة والعجز ويبدو الطريق إلى النصر مستحيلا لا لأن المعركة حُسمت بل لأن الرواية زُوّرت.

وسط هذا الظلام يبرز سؤال: ما دورنا نحن كمجتمعات، ومثقفين، وإعلاميين؟ هل نقف متفرجين نعيد إنتاج الدعاية أم نحاول – ما استطعنا – أن نعيد للوعي كرامته؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة هو أن نعتاد التعتيم أن نصبح غير مكترثين إن كنا نعرف الحقيقة أم لا. فحين تذبل الرغبة في المعرفة تموت الأمة روحيا، حتى وإن بقيت جسديا على قيد الحياة.

ربما لن نعرف الآن من كسب ومن خسر في هذه الجولة بين طهران وتل أبيب. ما نعرفه وما يجب أن ننتبه له هو أن المعركة ليست فقط على الحدود، بل في العقول وإسرائيل تعلم ذلك وكذلك إيران وكذلك القوى الكبرى التي تراقب المشهد وتنسج خيوطها بخيوط الذهب والنار معًا.

التعتيم إذن، ليس مجرد "غياب للمعلومة"، بل هو سلاح استراتيجي فتاك قد لا يُسمع صوته، لكن أثره أعمق من كل انفجار وحده الوعي المستقل، اليقظ، القادر على أن يقرأ ما بين السطور هو الذي يملك أن يحمي الشعوب من التحول إلى مجرد مفعول به في جملة سياسية طويلة لا نعلم من كتبها ولا متى ستنتهي.

موضوعات متعلقة