الطريق
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 03:09 مـ 9 جمادى أول 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس محكمة استئناف القاهرة يكرّم القامات القضائية ويخلّد ذكرى الراحلين النائب محمد الجندي: رسائل السيسي في منتدى مصر 2026 تضع الحقائق أمام المصريين عقب حضور جلسة مصر الرقمية بمنتدى مصر النائبة رانيا الشيمي: توجه الدولة نحو التحول الرقمي يعكس رؤية واضحة لبناء مجتمع رقمي متكامل علاء مكادي: مخرجات منتدى مصر 2026 بشأن استكمال «حياة كريمة» بحلول 2030 يدعم تحسين مستوى المعيشة بقرى المنيا النائب إيهاب وهبة: منتدى مصر 2026 محطة مهمة في مسار الحوار الوطني حول مستقبل التنمية في مصر وتحديد الأولويات خلال المرحلة المقبلة برلمانية المؤتمر بالشيوخ : منتدى مصر 2026 يسلط الضوء على تطوير الحماية الاجتماعية ودعم محدودي الدخل والطبقة المتوسطة بعد واقعة الاحتكاك بصحفي.. إنهاء التعاقد مع شركة الأمن بمستشفى 6 أكتوبر المركزي النائب محمد البدري: «منتدى مصر 2026» منصة للحوار الوطني وتحديد أولويات التنمية.. ومناقشة الملفات الاقتصادية والخدمية خطوة نحو حلول قابلة للتنفيذ مفتي الجمهورية يهنئ الشيخ أيمن عبد الغني بتجديد تكليفه للقيام بأعمال وكيل الأزهر الشريف عاجل| قرارات جديدة من النيابة حول انهيار عقار أبو سليمان بالإسكندرية الحق مشوارك.. أين توجد السيولة والكثافات بالقاهرة والجيزة اليوم الأربعاء؟ قبل النزول للسوق.. أسعار اللحوم والدواجن والأسماك والخضروات والفاكهة الأربعاء 21 أكتوبر 2026

أرض الغلابة يا وزير النقل!

أحمد الضبع
أحمد الضبع

نشأتُ في صعيد مصر أقصى جنوب البلاد، وعشتُ عشرات السنين وسط أهلي الطيبين، وأعلم جيدًا أنهم يحبون الأرض حبًا جمًا، فمعظم الشباب هناك كانوا يسافرون إلى دول الخليج حيث تضيع أجمل سنوات حياتهم في الغربة، لشراء بضعة قراريط، تسند ظهر الواحد في الأزمات ويعيش بقية عمره يزرعها ويقتات على خيرها.

في قريتنا الصغيرة بمركز در السلام جنوبي سوهاج يقول الناس «اللي مالوش جذر، يموت قهر» أي الذي لا يملك أرضًا يرحل عن الحياة مقهورهًا، ولما لا وقد عايشت إحساس أن تهرب من ضجيج المدينة إلى هدوء الطبيعة وتُمّتع عينيك بالخضرة البهية وتنعش رئتيك بالهواء النقي وتعود مشحونًا بطاقة تجدد في روحك الأمل والعزيمة.

دورة حياة الناس في بلاد السحر والجمال تبدأ مع أول ضوء، حيث يأخذ المزارع إفطاره الذي لا يزيد عادةً عن قطعة من الجبن القديم وفص من البصل، وأرغفة العيش الشمسي، ويحمل على كتفه فأسه متجهًا إلى الغيط، فيظل طول اليوم يعمل دون كلل، وكلما داهمه التعب يتوقف لشراب بعض الماء المعبأ في «جركن» بلاستيك مغلف بقماش الخيش المبلل للحفاظ على برودة ما بداخله، ثمّ يمسح عرقه من على جبينه بيديه ويواصل العمل، حتى أذان المغرب، فيصلي فرض الرحمن ويعود إلى بيته.

تلك العادة اليومية، جعلت المزارع يحب أرضه ويتعلق بها، ويعتمد عليها كمصدر أساسي للدخل، ورغم تواضع العائد من المحاصيل الزراعية مقارنة بالمجهود البدني الجبار الذي يبذله الرجل في حقله، فإنّ الرضا والامتنان إلى الله- عز وجل- الذي وهب تلك الجنان لعباده، يبدو جليًا على وجوه الأعزاء في الصعيد، وكأن جلال الدين الرومي كان يقصدهم حين قال «قد استبدل ثقل قدميه على الأرض بخفة جناحي القلب وشغفه وبين أرضهِ وسمائهِ تجلت له الحياة وما بعدها كَمورد ظمآن على سفر».

أحد أولئك الطيبين حدثني بالأمس مستاءً يشكو من تجمع بعض معدات البناء بجوار غيطه استعدادًا للبدء في إنشاء محور ربط دار السلام- البلينا، في سوهاج، حيث من المقرر أن يمر المحور في قلب الأراضي الزراعية، وأبلغني أنّ المهندسون صمموا الخرائط التي تُبيّن أنّ آلاف الأفندن ستتعرض للتلف نتيجة هذا المشروع، حاولتُ تهدئته وإبلاغه أنّه سيحصل على تعويض ملائم يمّكنه من شراء قطعة أرض بديلة في مكان آخر، لكنه فاجئني بأن أصحاب الأراضي لم يتلقوا أية أنباء عن التعويضات ولا يملكون رفاهية التخلي عن هذه الأرض لأنها مصدر رزقهم الوحيد.

ولعلكم تتذكرون قصة محور دار السلام حينما ذهب الرئيس عبد الفتاح السيسي في زيارة إلى قنا أواخر سبتمبر من العام الماضي، لافتتاح عدد من المشروعات التنموية، ضمن فاعليات «أسبوع الصعيد»، ودار الحوار الشهير بين الرئيس وأحد المقاولين الذي مازحه السيسي وأبلغه بأنه سيأخذ 25% من إجمالي تكلفة إنشاء محور دار السلام بسوهاج، على أن يتسلم باقي المبلغ عند تسليم المشروع.

قبل ذلك الحوار اللطيف بلحظات، كان المهندس كامل الوزير- وزير النقل يستعرض بالخرائط أمام الرئيس خطة إنشاء 3 محور جديد في كل من المراغة - دار السلام- دشنا، ولما وصل إلى محور دار السلام استوقفه الرئيس قائلًا: «رجع الخريطة كدا.. تسمح لي أدّخل في اللي انتوا عاملينه» مخاطبًا «الوزير» واللواء أح إيهاب الفار رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

بدا على الرئيس السيسي حينها الاهتمام وهو يقول: «بص يا كامل.. يا إيهاب انتوا الكلام ده لو تدققوه، ولو النهارده عملت كدا يا كامل هخش على الأراضي الزراعية إذا كنت أنا فاهم!»، ليرد المهندس كامل الوزير قائلًا: «يا فندم مبنعملش أي طريق أو محور في الأرض الزراعية إلا محاور النيل لأننا مضطرين لها».

المغزى من هذا الحوار الذي دار بين الرئيس وكامل الوزير يقودنا إلى أن رئيس الجمهورية يعي جيدًا خطورة التعدي على الأراضي الزراعية، وكان لديه عزيمة قوية لتعظيم الإنتاج المحلي من السلع الأساسيّة مثل القمح، الذي تعتبر مصر المستورد الأكبر له في الشرق الأوسط، إذ تستورد من روسيا وأوكرانيا 13 مليون طن ما يعادل 90% من احتياجاتها.

امتلك الرئيس حينها نظرة مستقبلية لأزمة الغذاء التي جعلت العالم الآن على شفا مجاعة بسبب حرب أوكرانيا، اعتمادا على أن موسكو وكييف يصدران ما يقرب من ثلث احتياجات العالم من الحبوب.

لكن السؤال الذي يؤرقني ويؤرق أهلي «الطيبين» في الصعيد هو: كيف يسمح المهندس كامل الوزير- وزير النقل بأن يخترق محور دار السلام آلاف الأفدنة الزراعية ويجهض آمال البسطاء الذين يعيشون على خيرها، في الوقت الذي تسابق فيه الدولة الزمن لتوفير غذاء المصريين؟ بأي منطق ننفذ أشياء الرئيس شخصيًا حذر منها!

آمل أن ينظر «الوزير» بعين الاعتبار إلى شكوى أهلنا الأعزاء في مركز دار السلام بسوهاج ويحافظ على ما تبقى من أراضي نحن في أمس الحاجة إليها، وخصوصًا وقد بلغني بأنه من الممكن تعديل مسار المحور لتفادي إتلاف الأرض الزراعية.

للتواصل مع الكاتب على فيسبوك

اقرأ أيضًا: عمرو واكد.. لا نخوة ولا أدب