شحاته زكريا يكتب: بين الضرائب والعدالة.. كيف تُموّل الدولة دون أن تُنهك المواطن؟
في كل دولة تسعى لبناء اقتصاد مستدام، تبرز الضرائب كأداة رئيسية لتمويل الموازنة العامة وتوفير الخدمات الأساسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية. غير أن المعادلة ليست بسيطة إذ كيف يمكن للدولة أن تجمع الضرائب الكافية لتغطية نفقاتها، دون أن تُرهق المواطن، أو تُثقل كاهله بما لا يطيق؟ هذا هو التحدي الذي تسعى مصر لتجاوزه، من خلال هندسة مالية دقيقة تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد.
الضرائب ليست عبئا بطبيعتها بل هي في جوهرها مساهمة المواطن في بناء وطنه، شرط أن تتم وفق منطق العدالة والتدرج وأن يُقابلها مستوى خدمات يليق بما يُدفع من أموال فالدولة القوية لا تُبنى على الإعفاءات المطلقة، ولا على الجباية العشوائية، بل على نظام ضريبي عادل يُميّز بين من يستطيع ومن لا يستطيع، ويُحفّز على الاستثمار والعمل والإنتاج.
في مصر تسير الدولة على طريق إصلاح ضريبي متوازن يهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي وتسهيل إجراءات السداد، وتحقيق الشفافية فالهدف ليس فرض مزيد من الضرائب بل ضمان أن الجميع يشارك بنسبة عادلة، وأن من يعمل في الظل ينضم إلى منظومة الدولة ومن يحقق أرباحا عالية يُساهم بما يتناسب مع دخله.
التحول الرقمي في منظومة الضرائب وتحديث أساليب التحصيل واستخدام الفاتورة الإلكترونية كلها خطوات تعكس رؤية واضحة لتحسين كفاءة النظام دون إثقال المواطن الشريف فالعدالة الضريبية لا تعني فقط فرض نسب أقل بل تعني أن يدفع الجميع دون استثناء وأن لا يُكافأ من يتهرب بينما يُثقل كاهل من يلتزم.
إلى جانب الضرائب تعمل الدولة على تطوير مصادر دخل أخرى من خلال تعظيم العائد من الأصول العامة وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتحفيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة وهي أدوات تخفف الضغط عن المواطن وتُساهم في تمويل الدولة بطرق أكثر استدامة.
إن المواطن المصري اليوم أصبح أكثر وعيا بأن موارد الدولة لا تُستورد من الخارج، بل تُبنى من الداخل، من جهده وعمله والتزامه. لكن هذا الوعي لا يكتمل إلا حين يشعر بأن ما يُدفع يعود عليه بخدمات أفضل، وتعليم محترم ورعاية صحية حقيقية وبنية تحتية تليق بتعبه.
لذلك فإن العلاقة بين الضرائب والعدالة لا يجب أن تُفهم كتناقض بل كمعادلة دقيقة ، لا تنجح إلا حين يشعر المواطن أن الدولة تقف معه، لا فوقه، وأنها تُحسِن استخدام موارده، وتحترم ما يُقدّمه من مساهمة.
في النهاية الدولة العصرية لا تكتفي بفرض الضرائب، بل تُبنى على شراكة حقيقية مع مواطنيها شراكة تقوم على الشفافية والكفاءة والثقة. ومتى ما توفرت هذه العناصر يصبح تمويل الدولة مهمة وطنية لا عبئا يُخشى ، بل التزامًا يُحتفى به.
وهكذا فإن مصر وهي تُعيد بناء اقتصادها تُدرك أن العدالة في توزيع الأعباء لا تقل أهمية عن العدالة في توزيع الفرص وأن مواطنا يشعر بالإنصاف ، هو مواطن قادر على الإنتاج، والمشاركة، والبناء.













