الطريق
الأحد 14 يوليو 2024 02:14 مـ 8 محرّم 1446 هـ
جريدة الطريق
رئيس مجلس الإدارةمدحت حسنين بركات رئيس التحريرمحمد رجب
رئيس مجلس الإدارةمدحت حسنين بركات رئيس التحريرمحمد رجب

تامر أفندي يكتب: زيادة في الكٌفر بمهرجين القصر!

تامر أفندي
تامر أفندي

لا أعرف إذا كنت ستصدق أن هذا المقال ليس انفعالاً لموقف ولكن هو نتاج لصراع ذهني لأعوام، ازداد حدة حيث وحين ظلت إحدى الصور عالقة في ذهني، وكلما حاولت محوها، عاد أصحابها بموقف جديد ليضعوها في ذهني، ويضعوا أنفسهم داخل هذا "البرواز" الذي لا أحبه لهم ولا لنفسي ولا لأي صاحب قلم، حتى وإن لم يكن صاحب رأي وموقف ووجهة نظر.

آتي لك بالحكاية من بدايتها.. في معتركات فكرية وحياتية وفي أصونة الفرح وسرادقات العزاء وخيام الانتخابات ثمة حكايات تجعلك تسد الباب على هذه التجارب ولا تحاول فتحه مرة أخرى، حتى يظل ما كان في الخيال مداداً، وحتى نظل نتعامل مع الكثير بالوجه الذي نراه، فإنه وإن كان خادعاً لكنه أرحم بكثير من بشاعة الوجه الآخر.

فمن الجائز والمقبول أن تُخدع في رموز وشعارات وتاريخ.. لكن الغريب أن تدفع أنت بنفسك لتُصدق هذا الخداع وتذهب بروحك طواعيةً إلى أصحابه لتسمعه منهم مراراً وتكراراً، حتى ترغم عقلك على تصديقه.. رغبة ألا تهدم زيفاً بنيته لمن حولك على أنه حلم صعب المنال وصلت إليه.

وعلى آية حال ليس هناك مجال للحديث عن التفاصيل، فما رأته العين كان لابد أن يدون ربما يكون نجاةً للعابرين من خلفنا، فقيمة بعض السطور لا تكون إلا بعد الرحيل، كصور الفوتوغرافيا القديمة كلما عاودت رؤيتها اكتشفت بها شيئاً مغايراً.. تحققت من المشاعر الذائفة والابتسامات الخادعة مع أنها صور بلا حٍراك.

أختار لكم اليوم من ألبوم الزيف صورة أو اثنين واحدة كانت لعدستي والأخرى حكى عنها الدكتور لويس عوض.. أما عن صورتي فكانت لأحد "المناديب" في بلاط صاحبة الجلالة".. من بين جولات المرشحين لانتخابات النقابة، تصادف أن أحد المرشحين كان يمر، وكنا في مٌلتقى في إحدى "الصحف" وكان بيننا أساتذة أسماؤهم ليست نكرة، وإن كان البعض اكتسب تعريفها عن طريق "الهبة" إلا أنها ظلت في "جداريات جوجل".. "وترويسات الصحف".. ولقد شاءت التجربة أن نختلط بالغث والسمين، وبالعظيم والدنئ.. لكننا مع ذلك كنا نٌبجل الجميع إن لم يكن احتراماً للأقلام فاحتراماً للأعمار.. وإن كنا غير مقتنعين بما عبأووا به السطور.

فجأة وفي مشهد "لم يكن على تيك توك.. لكنه لا يقل إثارة.. فقد خلعت عيني عن صاحبه إزاره وأكاد أُجزم أني رأيته ذيله قب أن يُحاول أن يخفيه"..

رأيت "أبو ذيل" أو من كنت أحسبه أستاذاً!، يقف على أطراف أصابعه كـ"تلميذ" ينتظر "توزيع الحلوى" أمام مرشح ربما لم يكتب في حياته سطراً تتذكر أنك قرأته، قلت حينها أنه ربما أراد أن يكون هذا المرشح رسوله ليٌذكر به من نسيه، فاستعاد بعضاً من مجده ولو على سبيل الاستشارة.. وحاولت جاهداً أن أجد له عذراً من ظروف الحياة الصعبة التي يتعرض لها الجميع، وتلك المهنة التي لا تؤمن الغد للعاملين فيها وتستنزف قواهم وأرواحهم، حتى أنني بدأت أخشى أن أقف مثله هكذا وأصفق مع ناظر المدرسة لـ"بلداء الصف" طمعاً في عملٍ ولو بالحصة.

إلا أنا غباب "البايب" الذي كان ينفثه في وجوهنا بينما كان يحدثنا عن تاريخه ومجده وحكاياته مع من كانوا في السلطة، لم يترك في قلبي بذرة قبول أعذار واحدة من المحتمل أن تُثمر.. وبدأت أبحث عن تجربته المزعومة فوجدتها أشبه بـ"البالونة" كغيرها من "البالونات" الكثيرة في بلاط صاحبة الجلالة، لكن لا علينا فربما رآها غيري تجربة فريدة وله الحق فيما يراه.. لكن لي كما لغيري الحق أن نتقصى تاريخ الأصنام حتى لا نعبدها بالفرض والوراثة، ومع ذلك إذا وصلت إلى قرار تحطيمها فيكون في عقلي، أخذاً بقاعدة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. وإني لا أدعي معرفة ولكني عايشت منهم "هبل ومناة واللات وود وذوالشرى وطاغوت".. فكفرت بهم وتركت غيري يعبدهم كيفما يشاء!.. لكن في هذه المرة حاول أحدهم وضع يده عنوة على "ثغر قلمي" ولو كنت أنا لما اهتميت.. لكن القلم الذي منحني الله إياه لا سلطان لأحد عليه إلا الله.. وهناك فرق بين تفادي التهلكة وقبول الأسر والكسر!.. بين ما تصنعه من خبزٍ كعامل وما تطهيه لنفسك كصاحب دقيق.. ليتهم يعقلون!.. فمن يكتب إن لم يجد ورقاً سيكتب على متون الزمن.

أعود معكم إلى ضرر "المناديب" في بلاط صاحبة الجلالة، وهو أنهم حين يُعاد تدوريهم في مراكز القرار، يقتلون من لهم عقل حتى تستمر عبادة الأصنام.. ويستمر ذكرهم على نحو ما يرغبون من كذب وتدليس.

لذا لطالما تمنيت أن يُلغى معهد المناديب ويُمنع خريجيه من الترقية.. فهذا مجال العبرة فيه من المفترض أن تكون بالموهبة والتعلم لا بالأقدمية.

نماذج كثيرة من المُهرجين عرضها التاريخ، ولا أحد يتعلم أنه حينما يصل المُهرج إلى القصر، لا يُصبح ملكاً ولكن القصر يتحول إلى سيرك.

لا أعرف إذا كان ثمة ربط بين ما ذكرته وما سأذكره الآن على لسان الدكتور لويس عوض من كتابه "أوراق العمر" عن الإعلامي "محمد فتحي" الذي لا يجب بأي حال من الأحوال أن نضعه في مقارنة بمن طالتهم كلماتي فـ"فتحي" كان صاحب علم ومعرفة وله دوره في الإذاعة، ولا يستطيع أحد تجريده من لقب منحه له الجمهور بأنه كروان الإذاعة.. لكن من الجائز أن نختلف على اللحن.. على توزيعته.. على الأغنية.. على الأداء.. على مكان الأداء.. على طريقة صعوده على المسرح.. وربما كان ذلك وجه التشابه.. فهناك نقاط تأكدت لدي من حكاية دكتور "عوض" ومن بعض القراءات والمتابعات الأخيرة، جعلتني أرى جزءا مُهماً في ديكتاتورية القرارت سيأت الحديث عنها لاحقاً.

أما الآن.. فإلى ما قاله الدكتور لويس عوض، حسب ما رواه له "محمد فتحي"، أنه كان مشرفاً على الإذاعة في 1954، حينما اشتد الخلاف بين عبد الناصر ومحمد نجيب، وكان محمد نجيب يخطب بين الجمهور في أسيوط، فاتصل السادات بمحمد فتحي حتى لا يُذيع خطاب "نجيب"، فخشي "فتحي" أن يقع في مشكلة لأن "نجيب" لم يزل في السلطة فقال للسادات: "هذه صراعات داخلية بينكم لأنكم أعضاء في مجلس قيادة الثورة وأنتم تتحملون مسئولية هذه الصراعات، لكن محمد نجيب لا يزال رئيساً للجمهورية فكيف تريد مني أن اشترك معكم في المسئولية وأنا لا أشترك معكم في السلطة؟ عينوني عضواً في مجلس قيادة الثورة أشارككم في المسئولية».

ويقول عوض: "الغريب في هذا الكلام ليس رفض محمد فتحى الاشتراك في المسئولية ولكن طلبه الاشتراك في السلطة، لا حديث عن المبادىء والمعتقدات، كأنما الموضوع يتناول مجرد صفقة.


ويضيف متابعاً حديثه، أن الثورة منحته عملاً في الخارج «تم استبدال ما جاء في الوصف بكتاب لويس عوض بكلمة عمل».. لكنه حين عاد مع سن المعاش أذهلتني بعض تصرفاته، فقد كان يطوف الصحف والمجلات مراراً كل أسبوع لينشر فيها ما يكتب من "طقاطيق" حول موضوع الإعلام، ولا أظن أن ذلك كان حباً في الشهرة أو رغبة في تعليم الناس، وإنما لمجرد كسب شيء من المال لا أظنه يتجاوز مائتي جنيه شهرياً... وذات مرة عينه على حمدى الجمال أيام أن كان رئيس تحرير «الأهرام» بمرتب ثابت في الجريدة يبلغ مائتي جنيه شهرياً.

وأذهلت تصرفات محمد فتحي، لويس عوض لأن كل من يعرف فتحى يعرف أنه ميسور الحال، ويقول عوض: "مازاد من ذهولي حينما دخل مكتبى بالأهرام وطلب منى أن أساعده في أن يحصل على معاش شهرى من نقابة الصحفيين وكان ذلك نحو ۱۹۷۹ وكان معاش الصحفيين وقتئذ ٧٥ جنيهاً شهرياً، ولم يكن محمد فتحى عضواً بنقابة الصحفيين لأن كل مدة خدمته كانت في الحكومة ولم تكن له بالصحافة إلا صلة عابرة طوال مدة خدمته في الحكومة، مقال هنا ومقال هناك وربما تمضى السنوات دون أن يكتب شيئاً.. قلت له بصراحة: « لكى تستحق معاشاً في نقابة الصحفيين لا بد أن تكون عضواً في النقابة عشرين سنة على الأقل، ولكي تكون عضواً في النقابة لا بد أن تكون محرراً ثابتاً أو مثبتاً فى مؤسسة صحفية تخصم منك التأمينات الاجتماعية شهرياً طوال مدة خدمتك الصحفية وليس بمجرد مكافأة شهرية، فهل يعقل أن تقدم طلب انضمام لنقابة الصحفيين وأنت قد قاربت السبعين؟ مش ممكن. لا تضيع وقتك ولا تعرض نفسك للسخرية».

أنهى د لويس عوض حكايته عن محمد فتحي أنه باع فيلته بمبلغ مالي كبير ربما في محاولة لحفظ ماء وجهه أمام كتبة التاريخ.. فيا هذا أنت وهو فيما مضى كانت الناس تحتاج سنوات لـ«الفرز» وربما لا يتمكن الكثير.. الآن جيل يفرز "وقتي".. فحذاري أن تموتوا وأنتم في خانة مهرجين القصر.