أبو الحسين غنوم يكتب: بن غاطي وإعادة تشكيل مفهوم التطوير العقاري في دبي
في سوق عقاري يتسم بسرعة التوسع وتزايد التشابه بين المشاريع، لم يعد التميّز مرتبطاً بحجم البناء أو وتيرته، بل بقدرة المطور على إنتاج هوية يمكن قراءتها داخل المشهد الحضري. هذه النقطة تحديداً أصبحت معياراً جديداً لفهم المنافسة في دبي.
ضمن هذا السياق، تبرز بن غاطي بقيادة محمد بن غاطي كنموذج يعتمد على فكرة مختلفة عن التطوير التقليدي. فالمشروع العقاري لا يُقدم كوحدة منفصلة، بل كجزء من هوية بصرية ومعمارية متكررة، يمكن تمييزها فوراً داخل أفق المدينة.
هذا التحول من “المشروع” إلى “النمط” يعكس انتقالاً أعمق في طبيعة السوق نفسه. فالقيمة لم تعد تُبنى فقط على الموقع أو الاستخدام، بل على القدرة على خلق حضور بصري ثابت داخل مدينة تتحرك بسرعة وتنتج مشاريع متقاربة في الشكل والوظيفة.
في هذا الإطار، تصبح الهوية المعمارية ليست عنصراً تجميلياً، بل جزءاً من المعادلة الاقتصادية. لأن التميّز في سوق عالي الكثافة لا يتحقق عبر الحجم فقط، بل عبر القابلية الفورية للتعرف والتمييز.
لكن هذا النموذج يواجه تحدياً بنيوياً بطبيعته: كل توسع إضافي يختبر مدى قدرة الهوية على البقاء متماسكة دون أن تتحول إلى تكرار. وفي بيئة مثل دبي، حيث الإيقاع السريع هو القاعدة، يصبح الحفاظ على الاتساق التصميمي شرطاً لاستمرار التميّز، لا مجرد خيار إبداعي.
مع تراكم المشاريع، لا يعود دور المطور مقتصراً على الاستجابة لاحتياجات السوق، بل يمتد إلى المساهمة في تشكيل “لغة عمرانية” داخل المدينة. هذه اللغة لا تُكتب بالكلمات، بل تُبنى عبر تكرار بصري منضبط يخلق هوية قابلة للقراءة داخل المشهد الحضري.
في النهاية، ما تعكسه تجربة بن غاطي ليس مجرد توسع في النشاط العقاري، بل انتقال تدريجي في مفهوم التطوير نفسه: من بناء مشاريع منفصلة إلى بناء نمط بصري وهوية يمكن أن تصبح جزءاً من تعريف المدينة داخل السوق العالمي.

