عبد الرحمن البشاري: الضربات الإسرائيلية في سوريا تستهدف فرض واقع ميداني جديد وتكشف تصاعد التنافس مع تركيا
قال الكاتب الصحفي عبد الرحمن البشاري، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الخارجية، خلال لقائه ببرنامج «حوار اليوم» على قناة النيل للأخبار، إن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، ولا سيما استهداف المواقع والقواعد العسكرية والبنية التحتية الدفاعية، تأتي في سياق محاولة فرض واقع ميداني وأمني جديد داخل سوريا.
وأوضح البشاري أن استهداف المنشآت العسكرية السورية والمطارات ومستودعات الذخيرة يمكن قراءته، من وجهة نظره، في إطار مساعٍ لإضعاف القدرات العسكرية السورية والحد من إمكانية إعادة بناء جيش سوري يمتلك قدرات دفاعية متطورة، بالتزامن مع استمرار التغيرات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة.
وأشار إلى أن إسرائيل تحاول، وفق تحليله، استثمار حالة السيولة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط من أجل تعزيز نفوذها وفرض ترتيبات أمنية جديدة على الأرض، معتبرًا أن استمرار الضربات على الأراضي السورية لا ينفصل عن الصراع الأوسع على شكل المنطقة ومستقبل توازنات القوى فيها.
وأضاف البشاري أن أحد الملفات الرئيسية في المشهد السوري يرتبط بمحاولات الأطراف الإقليمية التعامل مع التوازنات الجديدة داخل سوريا، لافتًا إلى أن التنافس الإسرائيلي التركي بات حاضرًا بصورة متزايدة في الساحة السورية.
وتشير تقارير وتحليلات حديثة إلى أن سوريا أصبحت ساحة لتقاطع المصالح بين أنقرة وتل أبيب؛ إذ تدعم تركيا مسار بناء دولة سورية أكثر استقرارًا وتعزيز قدراتها، بينما تقول إسرائيل إن تحركاتها العسكرية تستهدف منع تهديدات أمنية محتملة والحفاظ على حرية تحركها العسكري. وقد تصاعد هذا التوتر بصورة واضحة عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور السورية في أغسطس الماضي، والتي قالت إسرائيل إنها ارتبطت بمخاوف من وجود عسكري تركي في الموقع، وهو ما رفضته تركيا.
وقال البشاري إن إسرائيل، من وجهة نظره، تستفيد من استمرار الانقسامات والصراعات في المنطقة، وترى في حالة عدم الاستقرار الإقليمي فرصة للحفاظ على تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي والعلمي، معتبرًا أن استمرار حالة الصراع في المنطقة يخلق احتياجات متزايدة لدى الدول العربية في مجالات التسليح والتكنولوجيا والأسواق الخارجية.
وأضاف أن استمرار الصراعات الإقليمية يؤدي كذلك إلى زيادة الطلب على السلاح، وهو ما ينعكس اقتصاديًا على الدول والشركات المنتجة له، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة والدول الغربية تظل طرفًا رئيسيًا في سوق التسليح والتكنولوجيا بالمنطقة.
ورأى البشاري أن المنطقة العربية تمتلك إمكانات وثروات طبيعية وبشرية كبيرة، وأن تحقيق قدر أكبر من التعاون والتكامل العربي في مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والدفاع يمكن أن يغير من طبيعة موازين القوى الإقليمية.
وأكد عبد الرحمن البشاري أن القضية، بحسب رؤيته، لا تتعلق فقط بالصراع العسكري المباشر، وإنما تمتد إلى المنافسة على التكنولوجيا والاقتصاد والموارد والطاقة والأسواق والنفوذ السياسي، معتبرًا أن استمرار حالة التجزئة والصراعات يحد من قدرة دول المنطقة على توظيف إمكاناتها بصورة جماعية.
وفيما يتعلق بالدور التركي، شدد البشاري على أن سوريا تمثل عمقًا استراتيجيًا وأمنًا قوميًّا لتركيا بحكم الجغرافيا والحدود المشتركة وتشابك الملفات الأمنية والسياسية بين البلدين، وهو ما يجعل أي تغير في موازين القوى داخل سوريا محل اهتمام مباشر من أنقرة.
وأشار البشاري إلى أن التطورات الأخيرة تكشف عن تزايد التنافس بين إسرائيل وتركيا داخل الساحة السورية، خاصة مع اتساع الدور التركي في إعادة بناء المؤسسات السورية ودعم استقرار الدولة، مقابل المخاوف الإسرائيلية من تنامي القدرات العسكرية والنفوذ التركي بالقرب من حدودها.
ويأتي هذا التنافس في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة منع حدوث مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا داخل سوريا، حيث أعلنت واشنطن العمل على آلية لتجنب الاحتكاك بين الأطراف الثلاثة، في ظل مخاوف من أن يؤدي سوء التقدير إلى تصعيد عسكري غير محسوب، موكدا على أن مستقبل سوريا سيظل أحد الملفات الرئيسية في تحديد شكل التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة، وأن إعادة بناء الدولة السورية والحفاظ على وحدتها وسيادتها يمثلان عاملين أساسيين في منع تحول الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.

