الثلاثاء 2 مارس 2021 03:44 مـ 18 رجب 1442هـ
جريدة الطريق
  • WE

رئيس التحرير محمد عبد الجليل

المقالات

الصحافة الفنية والمستنقع

طارق سعد
طارق سعد

دائماً ما ينظر الجمهور من الخارج للفن أنه مجرد نزهة للفنانين وأن هذه الحياة سهلة وبسيطة ومرفهة لعب وضحك وفن .. كذلك أيضاً العمل الصحفي الشاق فيعتبر قسم الفن هو قطعة الجاتوه لكل الأقسام وهو المتنزه للعاملين به بالمقارنة بمحتوى العمل الصحفي.

للأسف صورة مغايرة للحقيقية تماماً يراها الناظر من بعيد ولكن مع كل "زووم" للصورة ستُكشف الكثير من التفاصيل الدقيقة التي تؤثر في محتواها واستيعابك الصحيح لها فعندما تتضح الصورة يصبح الحكم عليها واقعياً ومنطقياً.

"أهل الفن يا ناس مظاليم" جملة ناجزة ستشعر بمعناها الحقيقي عندما تدخل حياتهم بكل ما فيها من قلق وتوتر ومجهود شاق ليخرج العمل بشكل يرضي الجمهور والنقاد ويؤهل أصحابه لمواصلة مشوارهم .. كثير من الخوف والقلق من "بكرة" وهو الـ "بعبع" الذي يُرعب أهل الفن بأكمله في مهنة غادرة ليس لها عزيز قد تفاجئ صاحبها بطرده من جنتها في لمح البصر دون سابق إنذار مثلما قد ترفعه للسحاب دون سبب مقنع وبين هذا وذاك يبقى شبح السقوط كابوساً يؤرقهم جميعاً!

أما أهل الصحافة فهم السلطة الرابعة بمهنة جلب المتاعب يرى الجمهور أن فرعها الفني هو الفرع المرفه صاحب "الدلع" يستمتع بأوقاته بين الفنانين والأعمال والأخبار الفنية بكل سهولة وسعادة وهو يغني "آه لقيت الطبطبة" في ما يتوهمه المتابعون دون أن يفطنوا لحجم التعب والمشقة وأحياناً الإهانة التي يدور فيها أهل الصحافة الفنية لتأدية عملهم بالشكل الذي يحقق الغرض منه لينتهي بهم الأمر كل أول شهر أمام الخزينة للحصول على مقابل هذا الشقاء المهني واستلام راتبهم الذي تربطهم به علاقة وطيدة تحاكي العلاقة بأغنيات "تامر عاشور"!

في نظرة كاشفة من أعلى الساحة الفنية وبين "دول همة"و"دوك همة" هناك رابط وثيق فلا الصحفي يستطيع الاستغناء عن الفنان الذي يعتبره صُلب عمله ولا الفنان يستطيع الاستغناء عن الصحفي الذي يُعتبر حلقة الوصل الرئيسية بينه وبين الجمهور الذي يستقبل منه كل ما يخص هذا الفنان ليتحول الصحفي للرئة التي يعيش بها الفنان داخل الوسط الفني يشارك في تقدمه واستكمال مشواره وقد يكون سبب سقوطه وتراجعه للصفوف الخلفية على مستوى العمل والجمهور فالطرفان يدوران في حلقة مفرغة تسلم كل منهما للآخر ولا مفر لهما من بعضهما.

العلاقة بين الفنان والصحفي علاقة تكاملية يفترض أن تكون أجواءها لطيفة وساهرة كما تتصدر صورتها الخارجية إلا أنه للأسف هناك دائماً ما يعكر هذه العلاقة ويحولها لمشاحنات وصراعات ندية فتُبقي حالة من الترصد تتحول لعداء بين الطرفين بسبب تصرفات غير مسئولة!

المسئولية الكبرى تقع على الفنان الذي يجب أن يؤمن بأن الصحافة هي بؤرة الضوء الرئيسية والتي لولا تسلطه عليه لأصبح معتماً لا يشعر به أحد فهذه الصحافة هي ما تبرز عمله ومجهوده ونجاحه وترصد له آراء الجمهور وتربطه به وتنبهه أيضاً إن ضل الطريق فسيرة الفنان ليست بأعماله الفنية فقط ولكن بأرشيفه الصحفي الذي يتركه لجمهور الحالي ومن الأجيال التالية فلا يحق للفنان التعالي على صحفي أو التقليل من شأنه أو إهماله وعدم التواصل معه أو التعامل معه بأسلوب متعجرف مهما كانت الظروف التي تحيط بالفنان فكلها أعمال تقلل من الفنان نفسه وتترك انطباعاً سيئاً عنه لدى الجمهور ويراه في صورة مغايرة لما كونها عنه من أعماله وقد تنتهي علاقة الجمهور بفنانه نتيجة فعلة متهورة تترجم على أنها تكبر وغرور بعد تحقيق النجاح خاصة بعد الانفتاح الذي تسببت فيه الـ "سوشيال ميديا" وأصبح الجمهور يرى فنانه على طبيعته من خلال صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي فلا يليق أن ينكشف على جمهوره ويشاركه في حفل تقطيع واستهزاء وتطاول على أحد الصحفيين لمجرد أنه لم يعجبه رأيه أو سؤال في حوار أو خطأ غير مقصود في حوار .. أو مثلاً اتصال في وقت يراه الفنان من وجهة نظره غير مناسب!

هناك مشكلة مقابلة في الوسط الصحفي من "الناشئين" الذين يشقون طريقهم الصحفي والذين يحاولون إثبات أنفسهم ومعهم بعض الدخلاء فكانت البداية سابقاً بمحاولة الوصول لأرقام النجوم ومحاولة التواصل معهم وكان هناك تقديراً لفكرة أنك ستتواصل مع مشهور فكان هناك نوعاً من الأدب والذوق في التعامل حتى وإن لم يكن هذا الفنان على نفس القدر من المعاملة .. أما في عصر انفتاح الـ "سوشيال ميديا" والتي جعلت كل شيء مباح ومستباح وكالعادة أخذنا أسوأ ما في التطور فأصبح هؤلاء المبتدئين ومعهم الدخلاء يقتحمون حياة الفنان في أي وقت حتى ولو فجراً بلا أي احترام للخصوصية مع اقتناعهم بإجباره على الرد بـ "الزن" عبر اتصالات المحمول وبرامج الدردشة وإن لم يفعلها الفنان يخرج هذا المحسوب على المهنة ليسب الفنان على صفحات التواصل والتقليل من شأنه بكل ما يخالف القانون معاقباً له على عدم الرد .. أو مثلاً اعتذاره لعدم قدرته على التواصل في هذه اللحظة لأي ظرف ما!

للأسف هناك من يسيئون لأنفسهم من الطرفين ولمهنتهم وبسبب هؤلاء تحولت الصحافة الفنية لساحة تصفية حسابات أمام تصرفات غير مسئولة من بعض الفنانين وتحولت العلاقة بين الطرفين إلى "عاركة" يحشد فيها كل طرف أنصاره للمساندة والمواجهة وفي الوسط يظهر الـ "مطبلاتية" لكل طرف ينفخون في النار اعتقاداً منهم بإرضائه لتشتعل النيران على مواقع التواصل وتنصب المواقع الصحفية بطاريات صورايخها في مواجهة الفنان وبسبب تصرفات غير مسئولة تتشوه الصحافة الفنية وتفسد العلاقة بين أطرافها لتتحول جنة الصحافة الفنية على أيدي هؤلاء إلى "مستنقع"!

يجب على الفنانين كباراً وصغاراً عمراً وفناً أن يكونوا على قدر وحجم المسئولية ...

أما بالنسبة للمؤسسات الصحفية كبيرة وصغيرة فيجب عليها عقد دورات للصحفيين الجدد المنتسبين إليها يطلعوهم فيها على تكنيك العمل الصحفي المحترف وتعاملاته ومراقبة تنفيذهم لضمان الحفاظ على قوة العلاقات وسلامتها بين الوسط الفني والصحفي دون زرع فتن غير مسئولة.

على الطرفين تحمل المسئولية بأقصى درجات الاحتراف حتى لا نصبح "فُرجة" بالمعنى الحرفي!

الصحافة الفنية الطريق مقالات الكتاب مقالات الطريق