جريدة الطريق رئيس التحريرمحمد عبد الجليل
الثلاثاء 4 أكتوبر 2022 11:21 صـ 9 ربيع أول 1444 هـ

صلاح معاطي يكشف عن الرؤية الدرامية في أدب خيري شلبي

صلاح معاطي
صلاح معاطي

قال الأديب والإذاعي الدكتور صلاح معاطي، إن خيري شلبي من أوائل الذين كتبوا ما يسمى الآن بالواقعية السحرية، ففي أدبه الروائي تتشخص المادة وتتحول إلى كائنات حية تعيش وتخضع لتغيرات وتؤثر وتتأثر، وتتحدث الطيور والأشجار والحيوانات والحشرات وكل ما يدب على الأرض، بل أحيانا يحرك الجماد ويدفع فيه بحرارة ودفء يجعلك تعيش معه كشخصية.

الواقعية السحرية عند خيري شلبي

وأضافي "معاطي" في تصريحات خاصة لـ "الطريق"، أنه يصل الواقع إلى مستوى الأسطورة، وتنزل الأسطورة إلى مستوى الواقع، ولكن القارئ يصدق ما يقرأ ويتفاعل معه . على سبيل المثال روايته (السنيورة) وروايته (بغلة العرش) حيث يصل الواقع إلى تخوم الأسطورة، وتصل الأسطورة فى الثانية إلى التحقق الواقعي الصرف، أما روايته الشطار فإنها غير مسبوقة وغير ملحوقة لسبب بسيط وهو أن الرواية من أولها إلى آخرها - خمسمائة صفحة - يرويها كلب، كلب يتعرف القارئ على شخصيته ويعايشه ويتابع رحلته الدرامية بشغف.

وتابع: إذا كانت عناصر أي عمل درامي هي الشخصيات والحبكة والصراع والحوار والإضاءة إلخ.. فإنني أرى أن الجمهور "المتلقي" هو أهم العناصر الدرامية عند خيري شلبي هو الذي يصنع العمل وقد صنع خيري شلبي خلال أعماله الروائية العديدة هذه العلاقة الذهبية الفريدة بينه وبين الجمهور.. وبنظرة بسيطة نرى أنه لا توجد علاقة مباشرة بين ما يكتبه كاتب السيناريو والجمهور، ولكن تأتي هذه العلاقة من خلال تنفيذ السيناريو وتحويله إلى منتج نهائي للسينما في كتاب أو مجلة.

شلبي والعلاقة بين المؤلف وجمهوره

وأوضح، في البداية نقول إن هناك مشاهد جادة متصلة بالعمل إذا لم تنجح في إثارة اهتمام المشاهدين من اللحظة الأولى تفقد تلك العلاقة بين المؤلف وجمهوره.. ولكن عند خيري شلبي فالعلاقة متأصلة وعميقة لأنه دخل الجمهور من بابهم وليس من بابه هو.. أن يتعرف القارئ على نفسه كليا أو جزئيا مع شخصية أو أكثر من شخصيات العمل في خصالها أو أمانيها أو ظروفها وهو ما يسمى بالتوحد أو التعرف أو التقمص الوجداني أو الامتزاج الوجداني أو ما يسمى بالإمباثية empathy وقد يكون هذا التعرف أو التوحد مع المكان أو الحدث أو المعنى أو السمة الأخلاقية وهذا العامل من أقوى العوامل لإثارة الاهتمام لدى القارئ في الأدب أو المشاهد في السينما أو التليفزيون.

وكالة عطية

وأكد أنه إذا طبقنا هذا الكلام على "وكالة عطية" مثلا أجد أنني كقارئ توحدت وتعاطفت مع شخصيات كثيرة إن لم تكن جميع الشخصيات البطل الذي يحكي حكايته مع وكالة عطيه وكل الشخصيات في الوكالة شوادفي بعالمه الغريب وفلسفته التي يختص بها وحده.. القراداتية وعلاقتهم الشاذة بقرودهم، النصاب البارع في التخفي والتنكر.. وديدة ابنة عمه برغم عدم جمالها إلا أنه يجعلك تتعاطف معها ومع مشكلتها في عدم زواجها وعندما تتزوج ويقبض على زوجها لانتمائه للإخوان وعندما تعذب وهي أمامه أو تهدد بالاعتداء عليها وعلى شرفها حتى يعترف على نفسه.

القصة والبناء الدرامي

وأضاف، علينا أولا أن نحدد الاختلاف بين القصة والبناء الدرامي، فالقصة هي ما يحدث بالفعل أما البناء الدرامي فهو الطريقة التي نحكي بها ما يحدث . فالقصة متنوعة وثرية مثل الحياة والدنيا، وهذا متوفر تماما في كل روايات وأعمال خيري شلبي فعالم وكالة عطية عالم ثري كبير كبر الدنيا تتوه في زحمته وتأخذك الوكالة كما تأخذك الدنيا حتى المؤلف كان مؤخوذا بها.

وتابع: بينما يحتوي البناء الدرامي على عدد محدد من القواعد نطبقها للحصول على تأثير معين، والقصة تقفز من خيال المؤلف بينما ينتج البناء الدرامي عن أسلوبه الفني.

وأشار إلى أن القصة هي نمو حر بلا قيد وبلا تحديد للعقل المبدع، لكن البناء الدرامي يمكن أن يتحدد تقريبا بشكل حسابي ويمكن تطبيق قوانينه على مختلف القصص لكن المبادئ الأساسية للبناء الدرامي تعتبر قليلة، ومع ذلك لا يتماثل البناء الدرامي مع الحبكة، فالحبكة هي تنظيم للأحداث في القصة ولكن البناء الدرامي يتجاوز هذه الوظيفة المحددة . فهو يكيف حقائق القصة بالشكل الذي يجب التعبير به عنها وينسقها.

وأكد أن البناء الدرامي كما ورد في كتاب " فن كتابة السيناريو " تأليف يوجين فال – ترجمة مصطفى محرم، يعتمد بشكل كبير على رسم الشخصيات : يجب أن نتعرف على الإنسان لكي نتتبع ونفهم الحدث وغالبا ما يكون افتراض رد الفعل منطقيا بينما يبدو الافتراض الآخر الصعب خاطئا ، وهنا نحن في حاجة عميقة إلى علم النفس لكي نشرح السلوك الخفي للإنسان وبدون معرفة الطبيعة الإنسانية لا يجرؤ أي كاتب على الاقتراب من عملية كتابة القصة ، لذلك يحتاج الكاتب إلى الرسم الدرامي للشخصية . وهنا يبرع خيري شلبي في رسم شخصياته بعواملها الخارجية والداخلية ونرى في الوكالة شوادفي الذي يدير الوكالة البطل الذي يروي لنا الأحداث.. المدرس الذي يغير مسار حياة البطل الذي كاد أن يتخرج من مدرسة المعلمين وغير من مسار حياة البطل وأسرته.

وأضاف، أنه يجب قبل كل شيء أن نفهم الاختلاف بين رسم الشخصية والخواص الشخصية فرسم الشخصية هي كل الحقائق حول الإنسان وتكون الشخصية إحدى هذه الحقائق ، أما السمات الشخصية فهي العوامل الوحيدة التي تتكون منها أية شخصية ، فبعد أن يصبح رسم الشخصية كاملا يجب أن نعرض حقائقها للمتفرج أو القارئ( حقائق إجبارية كالسن والوظيفة وعلاقة الشخصية بالآخرين والأسرة والصداقة والجيران ) وأحيانا يكون من المفيد تطوير المعلومات التي يكشفها عنصر الوظيفة ، ومن المعلومات الأخرى الجوهرية ماضي الشخصية.

ونجد هذا جليا عندما عرض لنا خيري شلبي في "وكالة عطية" علاقة البطل بكل فرد من أفراد الوكالة حتى أنه أفرد لكل شخصية فصلا يتحدث فيه عن كل ما يحيط بالشخصية من وصف خارجي وداخلي وعلاقة البطل بالشخصية كيف بدأت وتطورت.

اقرأ أيضا.. عبد الخالق: «خيرى شلبي مرحلة هامة فى تاريخ الرواية العربية»