جريدة الطريق رئيس التحريرمحمد عبد الجليل
الجمعة 7 أكتوبر 2022 12:12 مـ 12 ربيع أول 1444 هـ

العميد جمال إمام يكتب: «طنطاوى والتاريخ»

العميد جمال إمام
العميد جمال إمام

كالعادة تظهر معادن المصريين فى الشدائد وتصهرهم مع المحن فيخرج منهم أشد الرجال وأعظمهم ليثبتوا للتاريخ أنهم خير أجناد الأرض.

صورة استدعت الذاكرة.. كانت قد انتشرت وهى صورة نادرة من حرب أكتوبر 1973 لآرييل شارون، رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، وهو يتحسر بعد خسارته فى معركة المزرعة الصينية التى كان يقودها المشير حسين طنطاوى.

ووأوضحت الصورة المتداولة، آرييل شارون وهو ينحنى برأسه ويبكى على ذراعه بعد خسارته المعركة الشرسة، وخسارة المئات من جنوده أمام الفرقة التى كان يقودها المشير طنطاوى، وجائت صورة أخرى لترسم حجم المأساة صورة لآرييل شارون وموشى ديان وهما فى حيرة من أمرهما بعد هزيمة قواتهم فى معركة المزرعة الصينية.

تخرج طنطاوى من الكلية الحربية فى أبريل 1956 فى سلاح المشاه وشارك فى حروب العدوان الثلاثى وحرب 1967 وحرب الاستنزاف وحرب اكتوبر 1973.

وشارك فى حرب الخليج الثانية حرب تحرير الكويت، وعمل ملحق عسكرى فى السفارة المصرية فى باكستان ثم فى أفغانستان، وتولى قيادة الحرس الجمهورى، ثم وزير الدفاع والإنتاج الحربى سنة 1991.

وكأن الأيام تعده وتجهزه لأن يكون الدرع الواقى لمصر فى اشد أوقات المحن على مر التاريخ، رجلا من أخلص أبنائها وأحد رموزها العسكرية الذى وهب حياته لخدمة وطنه لأكثر من نصف قرن، حمل الرجل من خبرات مدرسة الوطنية المصرية فى القوات المسلحة النظرة العميقة للأمور والفكر الاستراتيجى، مما أهله أن يتحمل مسئولية وقيادة الوطن فى أحلك وأصعب الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية وتتكالب عليه المخاطر والتحديات من كل صوب، لقد كان قارئا جيدا وواعيا بحركة التاريخ فى مصر ومؤمنا بعظمة شعبها وصبره وصموده.

كما كان واعيا للأحداث والمؤامرات الدولية وكم من مؤمرات حاولت قوى الشر أن تزج بمصر وجيشها فيها او أن تغير من اهتماماته بهدف إضعافه، الكثير والكثير لايحتمل المقام هنا لذكره وجاء جبروته على أعدائه، امتداد لخبرة فى العسكرية المصرية والانتصارات التى حققها على العدو فى حروب الاستنزاف وأكتوبر 73 وقاد واحدة من أهم المعارك بل وأخطر البطولات المصرية خلال حرب أكتوبر 1973، أثناء قيادته الكتيبة 16 من الفرقة 16 مشاة.

عبرت كتيبته يوم ‏6‏ أكتوبر المانع المائى لقناة السويس فى نصف ساعة فقط‏،‏ بدلا من ساعة‏،‏ وتقدمت باتجاه الشرق وكانت الحصيلة الأولية تدمير 5‏ دبابات معادية‏، وعزل النقطة القوية بالدفرسوار وحصارها‏،‏ ثم طورت الهجوم اتجاه الشرق بمهمة احتلال رأس الكوبرى،‏ والاستمرار فى صد وتدمير الهجمات المضادة للعدو‏.‏

وجاءت أهم معاركها معركة المزرعة الصينية، التى ابكت أشهر قادة إسرائيل وقتها فى الحرب وهو اريل شارون بسبب الخسائر الفادحة التى كبدتها له ولقواته كتيبة المقدم محمد حسين طنطاوى، ولمنطقة المزرعة الصينية قصة أخرى نتحدث عنها لاحقا.

استنفذ العدو الإسرائيلى محاولاته للقيام بالهجمات والضربات المضادة ضد رؤوس الكبارى فبدأ يتجه لتكثيف الجهود ضد قطاع محدد ينفذ منه للغرب، وكان اختيار القيادة الإسرائيلية اتجاه الجانب الأيمن للجيش الثانى الميدانى فى قطاع الفرقة ‏16‏ مشاة وبالتحديد فى اتجاه محور الطاسة والدفرسوار‏، وبذلك أصبحت المزرعة الصينية هى هدف القوات الإسرائيلية المهاجمة فى اتجاه قناة السويس على هذا المحور‏.‏

وركزت القوات الإسرائيلية كافة وسائل النيران من قوات جوية وصاروخية ومدفعية باتجاه المنطقة‏،‏ بهدف تدمير تمركز الكتيبة ‏‏أو زحزحتها عن هذا المكان باتجاه الشمال‏ بأى وسيلة.

ويوم ‏15‏ أكتوبر ركز بالطيران طوال النهار على جميع الخنادق وقيادة الكتيبة بشكل دقيق ومركزا‏، وسلطت المدفعية بعيدة المدى نيرانها بشراسة طوال ساعات سطوع الشمس، واستمر هذا الهجوم حتى الغروب، ومع ذلك لم يصب خلال هذا الضرب سوى ‏3‏ جنود فقط‏،‏ وكان ذلك بسبب خطة التمويه والخداع التى اتبعتها الكتيبة‏، وقبل أى ضربة جوية كانت تحلق طائرات لتصوير الكتيبة‏، وبعد التصوير مباشرة كانت تنقل الكتيبة بالكامل لمكان آخر فيتم ضرب مواقع غير دقيقة‏.‏

ومساء نفس اليوم وصلت أصوات جنازير الدبابات بأعداد كبيرة قادمة من اتجاه الطاسة، وبعدها بربع ساعة تم تنفيذ هجوم شامل مركز على الجانب الأيمن للكتيبة ب‏ 3‏ لواءات مدرعة بقوة ‏280‏ دبابة ولواء مظلات عن طريق ‏3‏ محاور مكونة من فرقة أدان القائد الإسرائيلى من ‏300‏ دبابة وفرقة ماجن القائد الإسرائيلى 200‏ دبابة ولواء مشاة ميكانيكى وتم دعمهم حتى يتم السيطرة‏.

لقد كانت معركة شرسة حيث عززت القوة ب‏4‏ كتائب مدرعة وكتيبة استطلاع مدرعة و‏3‏ كتائب مشاه ميكانيكى، وبواسطة الدبابات المخندقة والأسلحة المضادة للدبابات والمناورة بباقى سرية الدبابات أدت هذه السرية مهمتها بنجاح،‏ حيث دمرت‏ 12‏ دبابة بدون خسائر لقواتنا ، وتشكلت مجموعة قنص من ‏15‏ دبابة ومعها ضابط استطلاع وأفراد الآر‏.‏بى‏.‏جى للجانب الأيمن واشتبكت مع العدو حتى احتدمت المعركة وقلبت إلى قتال متلاحم فى صورة حرب عصابات طوال الليل حتى الساعة السادسة صباح اليوم التالى، وقد تم تدمير‏60‏ دبابة فى هذا الاتجاه‏.‏

وفى الساعة الواحدة من صباح يوم ‏16‏ أكتوبر قام العدو بالهجوم على الكتيبة‏ 16‏ الجار الأيسر للكتيبة ‏18‏ مشاه وكانت بقيادة المقدم محمد حسين طنطاوى، وكانت قوة الهجوم عليه من لواء مظلى ومعه لواء مدرع وكتيبة‏، ونتيجة لقرار قائد الكتيبة تم حبس النيران لأطول فترة ممكنة وبإشارة ضوئية منه تم فتح نيران جميع أسلحة الكتيبة ‏16‏ مشاة ضد هذه القوات المتقدمة واستمرت المعركة لمدة ساعتين ونصف الساعة حتى أول ضوء‏.

وجاء الصباح مكسو بالضباب مامكن القوات الإسرائيلية على سحب خسائرها من القتلى والجرحى‏، ولكنها لم تستطع سحب دباباتها وعرباتها المدرعة المدمرة والتى ظلت أعمدة الدخان تنبعث منها طوال اليومين التاليين‏، وانهار شارون وبكى عندما رأى بعينيه خسائر قواته وهزيمتها المذلة، لقد فقد شارون وادان أكثر من 500 جندى، بالإضافة إلى خسارة خيرة قيادات السرايا من الضباط وهو ما اعترف به قادة إسرائيل فيما بعد، مؤكدين أن شراسة معارك الثغرة لم تحدث فى تاريخ الحروب بعد تلاحم المدرعات المصرية والإسرائيلية، وحرق المئات من العربات المدرعة والمجنزرات وكأنه يستشرف الأحداث، فى إحدى اللقاءات مع جنود وضباط القوات المسلحة قبيل أحداث 25 يناير، قال:"إنه لا يهتم كثيرا بأعداء الخارج لأنهم معروفون جيدا ولكن المصيبة فى عملاء الداخل لأن هؤلاء الأشد خطرا على مصر"، ومن المؤكد أنه وبخبرته كان يستشعر الخطر، كانت قوة المشير طنطاوى تكمن فى أنه ليس فقط قام بتحمل مسئولية البلاد لقيادتها وسط الأخطار والوصول بها إلى بر الأمان، بل فى هذه القدرة الجبارة على تحمل ما تنوء بحمله الجبال، كما وصفه الرئيس السيسى، وايضا يتجلى فى القدرة الخارقة على تحمل الحرب النفسية التى استهدفت القوات المسلحة المصرية، فلم يكف عن إصدار تعليمات بضبط النفس تجاه أى استفزاز، كما أمر بسحب الذخيرة الحية من قوات الحرس الجمهورى واستخدام "طلقات فشنك".

استطاع الرجل بمنتهى الحكمة والقدرة والكفاءة أن يحافظ على سفينة الوطن من الغرق فى الفترة التى واكبت أحداث 25 يناير، وبموجب البيان الخامس الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، أصبح المشير "محمد حسين طنطاوى" الحاكم الفعلى لمصر عقب ثورة 25 يناير، وممثلا للجمهورية فى الداخل والخارج.

وسيبقى ما قام به الراحل العظيم باقى فى ضمير الوطن وذاكرة شعبه وسوف يسجل التاريخ وطنية هذا الرجل المفرطة فى عشق مصر سواء فى حرب المجد والكرامة ضد العدو الصهيونى أو فى معركة إنقاذ الوطن من العدو الإخوانى.

اقرأ أيضا: نبيل فاروق لـ"الطريق": أحمد خالد توفيق لم يكن إخوانيا.. وهذه تفاصيل آخر مكالمة بيننا