جريدة الطريق رئيس التحريرمحمد عبد الجليل
الإثنين 3 أكتوبر 2022 10:47 صـ 8 ربيع أول 1444 هـ

كنز حقيقي في منزل بالدقهلية يتجاوز عمره 100 عام

كنز بمنزل في الدقهلية يتجاوز عمره 100 عام.. «حمدالله» أفنى حياته في جمع أكثر من 15 ألف كتاب ومرجع
كنز بمنزل في الدقهلية يتجاوز عمره 100 عام.. «حمدالله» أفنى حياته في جمع أكثر من 15 ألف كتاب ومرجع

يسعى معظم الآباء في زماننا هذا لجمع الكثير من المال والعقارات والأراضي، ظنا منهم أنها السعادة الباقية لهم ولأبنائهم وخير خلفا وميراثا يتركونه لهم، وعلى عكس كل هؤلاء، فاجئنا شيخ في الثمانينات من عمره بميراث آخر تزيد قيمته بمرور الزمن، ألا وهو الميراث الحقيقي من العلم والمعرفة وغرس الدين في نفوس النشء والأجيال القادمة.

حرص الشيخ الثمانيني «حمدالله أبو دوح»، والذي يبلغ من العمر 82 عاما، مدرس أسبق بالأزهر الشريف، وابن قرية الكمال بالدقهلية، على ترك إرث حقيقي لأبنائه ولأحفاده، هذا الإرث لم يكن مالا ولا ذهبا، بل هو شيء أغلى وأثمن من الذهب والفضة، هو المئات والمئات بل الآلاف من الكتب والمراجع والمجلدات النادرة والمجلات، والتي يزيد عددها عن 15 ألف كتاب تقريبا، كما جمع الكثير من المؤلفات القيمة لأعظم الأدباء والمؤرخين على مر العصور، والتي يرجع تاريخ البعض منها لأكثر من 100 عام، وليس هذا فقط.. بل امتد حرصه في جمع التراث القديم على اقتناء المؤلفات الدينية والتاريخية والثقافية وأيضا الأجنبية والمترجمة بأكثر من لغة، والكثير من الجرائد والمجلات العربية والأجنبية، وشمل في حرصه الأجيال القادمة والأطفال، بأن جعل لهم نصيبا من هذا الإرث العظيم، وحيزا من مكتبته العريقة بأن وفر لهم العديد والعديد من المجلات الترفيهية والقصص الصغيرة الخاصة بهم.

يأتي العديد من طلاب العلم والباحثين والدارسين إلى مكتبة شيخ الدقهلية، إنه الشيخ حمدالله أبو دوح، والذي تحولت مكتبته لمزار لطلاب العلم الذين يناقشون الرسالات العلمية المختلفة "الماجستير والدكتوراه".


وفي لقاء خاص لجريدة الطريق مع شيخ الدقهلية «حمدالله أبو دوح» قال: «أنا الفقير إلى الله حمد الله أبو دوح، مدرس أسبق بالأزهر الشريف، ومقيم بقرية الكمال بالدقهلية، عملت في الأزهر الشريف لسنوات عديدة، وتم إعارتي لدولة اليمن الشقيق، كما سافرت إلى المدينة المنورة بدولة السعودية، ودرست اللغة العربية هناك لسنوات، لقد خصصت هذه الغرفة لجمع الآلاف من الكتب والمجلات، بغرض الاستفادة منها والإلمام بعلوم الدين والدنيا، حيث تحتوي على العديد من المجلدات في تفسير القرآن الكريم لأعظم المفسرين، كما تضم بداخلها الكثير من المؤلفات التاريخية في الأدب والطب، وبها العديد من المؤلفات النادرة التي يصعب العثور عليها في وقتنا الحالي، وتزداد قيمتها بمرور الزمن».

واستطرد قائلاً: «بدأت في جمع الكتب والمجلات منذ أن كنت طالباً في المرحلة الثانوية بالأزهر الشريف، حيث كنت أدخر مصروفي الشهري، ولا أصرفه كباقي زملائي وأصدقائي، وكنت أذهب لشراء الكتب الدينية لعلماء الأزهر وانا في غاية السعادة، فقد كنت محبا وشغوفا بالقراءة والتبحر في العلوم الدينية، وظللت على هذا النحو حتى بعد تخرجي من الجامعة، ثم عملت مدرسا للغة العربية بالأزهر الشريف، فأيقنت حينها أن جمع الكتب والمؤلفات أفادني طيلة سنوات الدراسة وفي عملي أيضا، ولم أبخل يوما على طالب علم أو دارس أراد استعارة البعض منها، شريطة الحفاظ عليها، فهي كنزي الثمين وشقاء العمر».

وختم شيخ الدقهلية وفقيه الكمال حديثه قائلاً: «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا»، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنني أرى غيري من الآباء يفني معظم حياته في جمع المال والبيوت ليتركها خلفا وميراثا لذريته، لكنني ومن وجهة نظري الشخصية أرى أني قد تركت لأبنائي وأحفادي ميراثا حقيقيا طالما حلمت به، أنا الآن في غاية الرضا وتمام القناعة بأني نجحت في تأسيس جيل قوي الصلة بربه حافظ وحامل لكتابه العزيز، وها أنا الآن أوصي أبنائي والجميع بوهب بعض هذا الميراث لبيوت الله وبيوت الثقافة، أما عن المجلدات والمؤلفات النادرة التي يسعى لها الدارسون والمحققون، فهي متوفرة بأسعار رمزية رغم ندرتها وغلاء ثمنها، كما أوصي بالاحتفاظ بالبعض الآخر هنا داخل هذه الغرفة بغرض الإستعارة وإعادتها مرة أخرى، وأرجو من الله العلي القدير أن يجعل هذا الجزاء في ميزان حسناتي وأن يكون قربة إلى الله في إصلاح ذريتي والله الموفق».

وقال ابنه «محمود»: «والدي قضى عمره كله في جمع المال لشراء الكتب والمجلات العربية والأجنبية، وأتذكر حينما كنت طفلا صغيرا، كان يرسلني والدي إلى أماكن بيع الكتب والمجلات بالمنصورة لشرائها والحصول عليها بأي ثمن، وكنت أتعجب من حرصه الشديد على جمعها، ولكنني الآن فهمت ووعيت تلك الرسالة، والدي نجح بالفعل أن يغرس في وفي أخوتي حب العلم والتعلم منذ صغرنا، والسعي وراء العلم مهما كلفنا هذا من مال وجهد، كما غرس في حب الخير والأخلاق الحميدة، وهذا أهم عندي من المال، سأظل طوال حياتي أفتخر بأبي نعم الأب، بارك الله في عمره».

وقال ابنه الآخر « إكرامي»: «والدي خصص غرفة داخل منزلنا وجمع فيها أكثر من 15ألف كتاب ومرجع، يزيد عمر البعض منها عن 100 سنة، وكان يمنع الجميع من الاقتراب من هذه الغرفة، لأنها بمثابة عمره الذي أفناه في جمع هذه الكتب، كما يأتي إليها الطلاب الدارسون والمقبلون على تحضير رسائل الدكتوراه، وأود أن أقول أن والدي غرس فينا الحب، بمعنى أننا نرى الكثير من الآباء يرحلون ويتركون لأبنائهم أموالاً طائلة، لكن لا يغرسون فيهم حب الغير، فتراهم يتصارعون على الميراث، فيضيعون الميراث ويقاطعون بعضهم البعض، ولكن والدي غرس فينا المعنى الحقيقي لحب الخير للغير وصلة الرحم».

موضوعات متعلقة