الطريق
السبت 17 أكتوبر 2026 08:01 مـ 5 جمادى أول 1448 هـ
جريدة الطريق
رئيس التحريرعلاء السعودي
رئيس التحريرعلاء السعودي
برلماني: موقف الرئيس السيسي رسالة واضحة بأن أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري النائب محمد أبو النصر: تفويض الرئيس السيسي لدعم أمن السعودية يعكس التزام مصر بوحدة المصير العربي والدفاع عن الأشقاء محمد السلاب: رؤية الرئيس السيسي لإعداد كوادر القيادة ترسخ الاستثمار في الإنسان المصري النائب محمود طاهر: تصريحات الرئيس السيسي تعكس الالتزام بالدستور وتؤسس لجمهورية جديدة قائمة على الكفاءة والتأهيل أحمد أمين مسعود: تصريحات الرئيس بالأكاديمية العسكرية صمام أمان لاستقرار الدولة المصرية النائب سمير صبري: أمن السعودية خط أحمر.. وموقف الرئيس السيسي يجسد ثوابت مصر في حماية الأمن القومي العربي جامعة القاهرة تهنئ الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية لنيله الدكتوراه الفخرية من جامعة باشن العالمية بأمريكا النائب محمد مصطفى كشر: رسائل الرئيس السيسي بالأكاديمية العسكرية ترسخ استقرار الدولة وتؤكد أهمية إعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة المستقبل النائب محمود حسين طاهر: رسائل الرئيس السيسي تؤكد أهمية الوعي الوطني وبناء كوادر قادرة على قيادة الدولة وحماية مقدراتها مصرع سيدة وشاب من سوهاج غرقًا إثر سقوط تروسيكل بترعة وادي الصعايدة في إدفو لقيت سيدة وشاب من أبناء محافظة سوهاج،... ” الحرية المصري”: رسائل السيسي من الأكاديمية العسكرية تحدد مستقبل إدارة الدولة المصرية وترفض المساس بأمن السعودية ودول الخليج أحمد الريان: المشرف السياحي الكفء ركيزة أساسية لنجاح رحلات الحج والعمرة وتيسير المناسك

زينة وفوانيس

عمرو عز الدين
عمرو عز الدين

• 23 أبريل 2020: باب المنزل يدق، أفتحه محملقا بحذر في 3 أوغاد صغار منكوشي الشعر ينظرون لي بنظرات شيطانية. يدي الممسكة بالمكنسة وراء الباب تفلتها ببطء، لم يكن الطارق قاتلا محترفا كما توقعت.

بعد تبادل النظرات التي تعكس كراهيتنا لبعضنا البعض قال أحدهم: عمو هات فلوس الزينة! وبغض النظر عن "عمو"، فقد صنعت كلماتهم موجات من الفلاش باك، الأولى ألقت بي قبل سنتين حين كنت عائدا من عملي بعد نهاية يوم طويل مُرهق، وعند وصولي لطابق سكني خرجت من مصعد العمارة، ثم فوجئت بصبيين -يختلفان عن الأوغاد الثلاثة- يقفان أمام باب بيتي، قبل أن يتهلل وجه أحدهما وهو يلتفت لي صائحا: "أهو وصل". اندهشت من انتظارهما لي، ثم قال أكبرهما: "عايزين فلوس زينة رمضان".

*****

الموجة الثانية من الفلاش باك ألقت بي بعيدا جدا

*****

حين كنت صبيا في منتصف التسعينات، اعتدت وأصدقائي من جيران الشارع الصغير في حي محرم بك الشهير بالإسكندرية، على التجمع قبل بدء شهر رمضان بوقت قصير لوضع خطة تزيين الشارع لاستقبال الشهر الكريم. وهي خطة تعتمد على 3 مراحل أساسية: «جمع الأموال - شراء الزينة ولوازمها - تزيين الشارع».

ننقسم إلى عدة مجموعات، تتولى كل منها تنفيذ مرحلة من مراحل الخطة الثلاث، وكانت تفاصيل تنفيذ هذه المراحل هي ما تصنع البهجة والسعادة لنا ولكل سكان الشارع.

نبدأ في طرق الأبواب في خجل مبتسمين في وجوه الجيران: "عايزين فلوس زينة رمضان كل سنة وانتم طيبين".

هذا ضابط الجيش الذي يتطلع له أطفال الشارع بافتتان كلما رأوه في بدلته الميري، يخرج إلينا بملابس المنزل ضاحكا ويمنحنا النقود مشجعا إيانا.

هذه السيدة التي تُعد أما لنا جميعا، تُخرج النقود من "بُوك" صغير وتبادلنا التهاني: "كل سنة وأنتم طيبين يا ولاد"، ثم تعزمنا على الفطار مقدما وتوصي كل منا بتوصيل السلام لأمه.

عم أحمد عمدة الشارع، الذي لا تفوته شاردة ولا واردة، يمنحنا المال ويسألنا من أين سنشتري الزينة ثم يصف لنا المحلات الأكثر جودة، وغالبا ما يساهم بنفسه في عمل الزينة فيما بعد، كأي زعيم وطني يحاول بث الحماس في عروق الشعب.

أما في تلك البناية ذات الطراز المعماري القديم، كنا نطرق أحد الأبواب بتردد، تفتح لنا السيدة إحسان زوجة الأستاذ ويليام، تبتسم في وجوهنا ونسألها النقود للزينة، تلمع عيناها وتبتسم بدورها قبل أن تغيب قليلا وتعود بورقة مالية قائلة: "كل سنة وأنتم طيبين"، ثم تتسع ابتسامتها ممازحة إيانا: "هتصوموا ولا زي كل سنة؟".

*****

«الشرائط الملونة والأخشاب الرفيعة والورق السوليفان الشفاف بألوانه المختلفة والأسلاك الكهربائية المجدولة والمصابيح الملونة الكبيرة والصغيرة» هذه هي الغنيمة التي كنا نبتاعها بما جمعناه من أموال، يذهب بعضها إلى محلات الكهرباء والمكتبات في شارعنا أو الشوارع المجاورة.

بمجرد امتلاك هذه الغنيمة بين أيدينا، ننطلق في أداء المهمة الأعظم والأسمى وهي تزيين الشارع.

خلية نحل يعمل بعضها على إنتاج الفانوس الكبير الذي سيُعلق في منتصف الشارع، على رأسهم عم يوسف الكهربائي.

يمسك بالأسلاك والمصابيح وشرائط اللصق "شيكرتون" فيقص ويلصق ويوصل ويجرب ويفك ويربط والأهم أنه لا يخشى الكهرباء، بينما نراقبه في انبهار وعيوننا تراه تسلا منطقة محرم بك، ولن أندهش لو كان يحاول إحياء الموتى باستخدام الصواعق في قبو محله.

البعض الآخر يعمل على إنتاج الشرائط الملونة الطويلة وما سيزينها من أوراق لامعة، فيما بعد ستُحدث صوتا كلما مر الهواء من خلالها وهي تتأرجح بين النوافذ والبلكونات.

نعود من جديد للبيوت، فيسمح لنا أهل كل بيت بالدخول و"الشعلقة" في البلكونات المختلفة لتوصيل الزينة والمصابيح.

منا من كان ينتهز الفرصة لدخول بيت بنت الجيران فقط ليشعر بالفرحة لمجرد وجوده في منزلها حتى لو كان أباها هو المرافق له طول رحلته في بلد المحبوب.

كل بيت دخلناه كان مألوفا لنا، لأن كل من فيه هم عائلات كل أطفال وصبية الشارع بشكل أو بآخر، ما عدا ذلك البيت قرب نهاية الشارع، المنطقة التي لا نذهب لها كثيرا ولا يخرج منها صبية آخرين.

طرقنا الباب وانتظرنا، ففتح لنا المهندس حنا (أعتقد أن اسمه ليس كذلك لكنها الذاكرة اللعينة)، بدا الارتباك على وجهه قليلا عندما طلبنا إذنه بالدخول لتعليق الزينة عبر بلكونته، لم نفهم لماذا ارتبك إلا عندما أفسح لنا الطريق ودخلنا.

في الداخل كان أهل بيته يستقبلون عريسا لابنتهم التي نسيت اسمها هي أيضا.

ارتبكنا بدورنا وكدنا ننسحب إلا أن الأم أصرت أن ندخل، تبادلنا التهاني ورحّب أهل العريس بنا كأننا من "بقية أسرة العروس" وتمنينا لهم التوفيق، وحين انتهينا من تعليق الزينة ودون أن نغادر البلكونة سمعنا زغرودة الأم الطويلة.

*****

زينة رمضان كانت جزء من وجداننا، مهمة تناوب على القيام بها كل جيل من أجيال شارعنا القديم، بل وكل أجيال الشوارع الأخرى، منها شارعي الحالي البعيد كل البعد عن مدينة مولدي وصباي وشبابي، هذا ما تأكدت منه عندما قابلني الصبيان أمام باب منزلي منذ عامين، وعندما طرق الأوغاد الصغار بابي اليوم.

طافت الذكريات كثيرا في ذهني قبل أن أمنحهما النقود مبتسما، قائلا: كل سنة وأنتم طيبين ورمضان كريم.