جريدة الطريق رئيس التحريرمحمد عبد الجليل
الأحد 25 سبتمبر 2022 08:04 صـ 29 صفر 1444 هـ

كورونا وجنون البشر.. هل تغير الأزمات من سلوك الأفراد للأفضل أم العكس؟

كورونا وجنون البشر
كورونا وجنون البشر

باحث تاريخي: الأزمات الوبائية تختلف عن السياسية

مدرب قانون الجذب: الأمر يختلف من شخص لآخر.. و"السوشيال" ميديا قنبلة موقوتة

الدول التي تزرع السلبية في شعوبها يصبح رد فعل مواطنيها كارثيا في الأزمات

المصريون أخفوا مرضاهم خوفا من العزل الصحي سنة 1947

النقراشي باشا وصف مستغلي الأزمات بأنهم أكثر فتكا من الكوليرا

 

لم يعد العالم كما يعرفه البشر بعد أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، فتباطأ الاقتصاد العالمي، وأصبح الناس يعيشون في عزلة، وارتفع عدد ضحايا القاتل التاجي غير المرئي بشكل مرعب، حيث انتشر المرض والبطالة، ما جعل الكثير يواجهون صعوبات مالية وعدم اليقين بشأن فرص العمل في المستقبل.

وبحسب موقع The Conversation، تشير البيانات المبكرة إلى أن الأثر النفسي المباشر لوباء كورونا كبير، ورغم ذلك ذكرت عدة تحليلات عن الأزمة أن تلك التجربة المريرة قد تساعد العالم على تغيير أنماط الحياة للأفضل، ولكن هل البشر قادرون على تغيير السلوك المستدام؟ خصوصا وأن الأزمات يمكن أن تؤدي إلى الغضب والخوف على مستوى المجتمع، ويمكن أن تتسبب في جعله أكثر أنانية.

اقرأ أيضا: لص يستغل محنة أسرة سيدة متوفاة بكورونا ويسرق محتويات شقتهم في حلوان

في مصر على سبيل المثال، نرى الكثير من الظواهر السلبية التي ألقت بظلالها على المجتمع، نتيجة وباء كورونا، بداية من الهجوم على الأسواق والصيدليات، وشراء ما تقع عليه الأيدي، مرورا بمنع دفن جثث المتوفين بالفيروس التاجي، وأخيرا ظاهرة نبش القمامة لاستخراج الكمامات المستعملة وإعادة بيعها للمواطنين بحثا عن الثراء السريع.

وعلى الجانب الآخر، نجد حملات مساندة العمالة غير المنتظمة، والتي تأثرت بشدة نتيجة أزمة كورونا، والمغسل الذي تطوع للقيام بعملية غسل المتوفين بالفيروس، دون أن يأبه لما قد يتعرض له من جيرانه.

وفي ذلك الشأن، تواصلت "الطريق" مع باحث تاريخي، وخبير في قانون الجذب والتدريب، لشرح ما إذا كانت الأزمات تغير من سلوك الأفراد للأفضل أم العكس، وما السبب في اختلاف رد الفعل بين إنسان وآخر، وبين دولة وأخرى.

فيروس كورونا 2020

ثلاثة عوامل تحدد رد فعل الإنسان في الأزمات

يقول محمد زكريا، مدرب قانون الجذب ومدير الأكاديمية الفرنسية للتدريب، إن سلوك الأفراد يختلف من شخص لآخر، بل إن الشخص نفسه، يختلف رد فعله من فترة لأخرى.

اقرأ أيضا: الطريق يحاور مغسل الجثث المصابة بكورونا: ”بغسل 4 كل يوم وشوفت ابن مش عاوز يستلم أمه”

ويضيف زكريا لـ"الطريق" أن الطب النفسي قسم مسببات الاضطرابات وقت الأزمات إلى ثلاثة عوامل، وتعتبر الوراثة هي العامل الأول لتلك المسببات، حيث يرث الشخص صفات ذويه الوراثية، ويكون معتادا على جذب الأزمات النفسية إليه، بينما تعتبر التربية والتنشئة هي العامل الثاني من تلك العوامل، كأن يتم تربية الفرد على مبدأ "امشي جنب الحيط"، وهو ما يجعله نفسيا غير مؤهل للتعامل مع أزمة مثل جائحة كورونا، وهو بالفعل يختلف عن من عوده أهله من الصغر على أن يتحمل الأزمات ويتعامل معها بقوة وإيجابية، بينما هناك من يبرمج عقله على أنه لن يتعامل مع الأزمة بحكمة فقط، وإنما سيتعلم منها ويطور من نفسه أيضا.

محمد زكريا

أما العامل الثالث للاضطراب النفسي فهو الظروف المحيطة بالإنسان، ويقول محمد زكريا إن الظروف قد تأتي للفرد على قدر تحمله، أو أكبر من قدرته، أو أن تكون قوة تحمله أكبر من المشكلة التي تواجهه.

ردود الأفعال تختلف من شخص لآخر

ويشير مدير الأكاديمية الفرنسية للتدريب، إلى أن ردود الفعل عند الشخص السوي نفسيا تختلف بالطبع عن استجابة غير السوي في التعامل مع الأزمة، فالأول يتعامل مع الأزمة البسيطة بشكل هادئ، أما الأزمة الأكبر فيبدا في التفكير للوصول إلى حلول لها، وإذا كانت أكبر بكثير منه، يلجا إلى تفكيكها في عقله لأجزاء صغيرة حتى يتعامل مع كل جزء على حدة، أما الضعيف نفسيا فيضخم المشكلة الصغيرة، ويحول ما هو أكبر منها إلى كارثة تؤثر عليه طول العمر، لأن المحرك الأساسي له هو الخوف، لذلك تجده يسرع لشراء العديد من المنتجات والسلع في الأزمات، وهو ما سبب نقصا كبيرا فيها يؤثر السلب على المجتمع.

وينصح مدرب قانون الجذب بالتعامل بعقلانية مع الظروف، وخصوصا تلك الناتجة عن أزمة فيروس كورونا المستجد، مضيفا أن التصرف بانفعاليه لن يؤدي إلى ردود أفعال إيجابية بالمرة، بينما الأفضل هو التعامل مع الأمر بشكل عقلاني، واستيعاب أن فيروس كورونا ليس مجرد وباء فقط، وإنما هو جاء ليعلمنا أشياء محددة، منها على سبيل المثال، ضرورة الادخار مستقبلا حتى لا نتعرض لأزمة مادية بسبب أي ظروف مشابهة، وإعادة النظر في أسلوب الحياة بشكل عام.

اقرأ أيضا: الأطباء العرب عن ”فيروس كورونا”: الحذر مطلوب والهلع مرفوض

أما عن اختلاف التعامل مع الأزمات بين الشعوب، فيقول زكريا إن الأمر له عدة عوامل، منها التعليم ودرجة الوعي على سبيل المثال، فالدول التي تنشئ شعوبها على مفهوم القوة وعدم الاستسلام لأي ظرف، يصبح رد الفعل مواطنيها تجاه أزمة مثل كورونا أكثر إيجابية بالطبع، بينما الدول الانهزامية التي تزرع السلبية في شعوبها، بالطبع يصبح رد فعل مواطنيها كارثيا مع تلك الأزمة.

السوشيال ميديا قنبلة موقوتة

وأكد محمد زكريا أن الإعلام من أهم سبل توجيه ردود أفعال المواطنين وتغيير سلوكهم، مشيرا إلى أن صفحات السوشيال ميديا تعتبر "قنبلة موقوتة" في تلك الأزمة، حيث تجد أكثر من شائعة منشورة تشعل فتيل الخوف داخل المواطنين، وهو ما يشكل خطورة اجتماعية واقتصادية على الدول.

وعن أفضل طرق توعية المواطنين بتلك الأزمة وكيفية تخطيها بشكل سليم، يرى زكريا أنه من الأفضل استخدام طريقة الترهيب والترغيب، حيث يتم فرض غرامات كبيرة وعقوبات مشددة على مخالفي الإجراءات الاحترازية، تجبرهم على الالتزام، ثم ترغيبهم في الأمر بتوجيه الشكر لهم على إيجابيتهم والتزامهم بالتعليمات بالشكل الذي يحمي المجتمع ويحسن صورة الدولة أمام العالم أيضا.

للتاريخ رأي آخر

وفي السياق نفسه، يرى أيمن عثمان، الباحث التاريخي ومؤسس صفحة "تراث مصري"، أن المواطن المصري لا يختلف بشكل إنساني عن أي جنسية أخرى، حيث أن الأزمات الوبائية والمرضية والجوع، يخرجون أسوأ ما في الإنسان، لأن المحرك الأول في تلك الظروف هو الخوف والهلع، بالإضافة لظهور المستفديين ماديا من الأزمة مثل أغنياء الحرب على مر التاريخ.

وأضاف عثمان لـ"الطريق" إن سلوك الأفراد يختلف إن كانت الأزمة سياسية أو خطر احتلال مثلا، أو نكبة طبيعية مثل الزلازل والفيضانات، حيث تخرج تلك الأزمات أفضل ما في الإنسان بشكل عام، مشيرا إلى أن ما يحدث الآن في مصر مشابه لما حدث في أزمة وباء الكوليرا التي ضربت البلاد عام 1947، حيث أخفى المصريون إعلان مرضهم خوفا من العزل الصحي، وهو ما جعل الشرطة تفتش المنازل بحثا عن المرضى، وأيضا ظهور مستغلي الأزمة من عديمي الضمير، الذين غشوا المنتجات واخفوا السلع حتى تباع بأثمان باهظة، لدرجة أن محمود فهمي النقراشي باشا رئيس وزراء مصر وقتها، قال عنهم إن "الجشع أكثر فتكا بالمصريين من الكوليرا".

اقرأ أيضا: زمن الكوليرا.. كيف واجهت مصر ”الشّوطة” ودور ”الطباشير” في الأزمة.. باحث تاريخي يجيب

وأكد الباحث التاريخي أن الأزمات السياسية في مصر على مدار التاريخ، كانت تشهد إحجام اللصوص عن ممارسة نشاطهم الإجرامى، واقتراب معدلات السرقة من الصفر، وهو ما سجله التاريخ فى ثورتي "1919 و23 يوليو"، وما حدث في مصر أيضا بعد جرائم الإنجليز فى الإسماعلية فى 25 يناير عام 1952، حيث طلب عدد كبير من المساجين الجنائيين السفر إلى الإسماعلية للانضمام الى الفدائيين.

أيمن عثمان

أما فى ثورة 1919، فسجل التاريخ قصة شخص فقير اسمه "الفقى"، ظل يخفي أمر أحد الثوار عن الإنجليز، رغم فقره الشديد وكبر قيمة الجائزة لمالية المعلن عنها وقتها، وبعد رجوع سعد زغلول من المنفى طلب ليخبروه أن الرجل الوطنى مات من الجوع.